وقفت ليلى الحكيم عند طرف الشارع، وعيناها معلقتان على منزل متواضع من طابقين، يختبئ خلف فناء صغير.
كان هذا هو المكان—البيت الذي تعيش فيه عائلة الحكيم.
لأكثر من عشرين عامًا، تعلّقت بذكريات وصور تخيّلتها عن بيت لم تعرفه يومًا حق المعرفة.
والآن، وهي تقف هنا أخيرًا، كان قلبها مثقلًا بأسئلة رافقتها منذ أن بدأت تعي الدنيا.
ما الذي قد يدفع والديها الحقيقيين إلى التخلي عنها؟
كيف استطاعا أن يتركاها لتنتقل بين الغرباء، حتى انتهى بها المطاف في كابوس يُدعى بلاد الرافدين؟
ترددت في أذنيها آخر كلمات والديها بالتبني. "أنتِ ليلى الحكيم، الطفلة غير المرغوب بها، التي تخلّى عنها دمها نفسه."
كان ذلك الألم—ومعه الأمل في مواجهة والديها يومًا ما—هو ما منحها القوة لتحمّل كل ما عانته في ظلام بلاد الرافدين.
كانت على وشك عبور الشارع عندما دوّى صوت قاسٍ من زقاق قذر على بُعد خطوات قليلة.
في الظلال، كان رجل يفترض أن يقف شامخًا، لكنه كان ممددًا على الأرض، يتلقى ضربات وحشية من شخص أصغر منه حجمًا، بوجه حاقد.
"ما زلت تظن نفسك أميرًا من عائلة الحكيم، وأن بإمكانك إصدار الأوامر؟ استفق! أتظن أنك ستحصل على الدواء لأمك المجنونة؟"
دون تردد، رفع الرجل الأصغر حجماً حذاءه وضرب به يد الرجل الممدودة على الأرض.
دوّى صوت تكسّر العظم في الهواء.
كان الرجل الطويل منكمشًا على الأرض المتّسخة، يرتجف من الألم، وأنين مكتوم يتسلل من بين شفتيه.
ورغم العذاب، لم ترتخِ قبضته على الحزمة التي يحتضنها.
من خلف الظلال، شعرت ليلى بوخز غريب في صدرها — ثم، دون تردد، ظهرت خلف المعتدي.
تردّد صدى تكسر العظام في الزقاق. انطلقت صرخة من الرجل الأصغر وهو يسقط، ممسكًا بكاحله بصدمة.
"هل تبحث عن الموت أو ماذا؟" قالت ليلى، ونظرتها باردة لا تتزعزع.
كان يتلوّى على الأرض، يطلق الشتائم بين نوبات بكاء. "ليس لديك أي فكرة عن من تعبث معه، أيتها الفتاة الحقيرة. أنتِ في ورطة كبيرة..."
قبل أن يتمكن من إنهاء كلامه، ضغطت ليلى بحذائها بقوة على كاحله المصاب.
ارتفعت صرخاته في الزقاق، وارتسم اليأس على وجهه. "أرجوكِ! أنا آسف، أقسم! "لم أكن أعلم—لن أفعلها مجددًا، فقط دعني أذهب!"
جاء صوت ليلى باردًا خاليًا من أي تعبير. "اختفِ."
ومن دون تردد، نهض الرجل مترنحًا وهرب مسرعًا خارج الزقاق.
بعد لحظات، خرج شخص يرتدي السواد من الظلال، ومدّ ملفًا نحوها.
قال باحترام، "سيدي." "هذا كل ما لدينا عن عائلة الحكيم، بما في ذلك الحقيقة وراء اختفائكِ قبل كل تلك السنوات."
فتحت ليلى الملف، واتسعت عيناها وهي تتنقل بين الصفحات.
قبل أكثر من عشرين عامًا، اختفت الطفلة الصغيرة لعائلة الحكيم بعد أن اختطفها تجّار بشر من أمام باب منزلهم مباشرة.
وكانت تلك اللحظة كفيلة بتحطيم عائلة كانت يومًا محط إعجاب الجميع، لتبدأ بعدها رحلة سقوط لم تتعاف منها أبدًا.
أما والدتها، فاطمة الحكيم، فقدت صلاتها بالواقع، وغرقت في الجنون.
أما والدها، إبراهيم الحكيم، فقد أصيب بمرض بعد ذلك بوقت قصير، وتدهورت صحته حتى لم يعد هناك أمل يُرجى.
عمر الحكيم، الأخ الأكبر وعازف البيانو الموهوب، تخلى عن أحلامه وقَبِل بزواج قائم على المصلحة، فقط ليؤمّن ثمن الدواء لوالديه.
خالد الحكيم، الأخ الثاني، كان نجمًا في جهاز الشرطة. تم تلفيق تهم له، واعتقاله، وسجنه لجريمة لم يرتكبها.
أما يوسف الحكيم، الأصغر، فقد انغمس في عالم الجريمة، يائسًا في محاولته تبرئة اسم خالد والعثور على أخته المفقودة. لكن جهوده لم تجلب له سوى الضرب والإهانة، يتلقّى الأذى من كل من يملك ذرة سلطة.
ورغم أن العائلة كادت تفقد كل شيء، إلا أنهم واصلوا جمع ما يستطيعون من مال، ولم يتخلّوا يومًا عن البحث عن ليلى—حتى أنهم أنفقوا ملايين على ما كان يراه الآخرون قضية ميؤوسًا منها.
ارتجفت يدا ليلى وهي تصل إلى نهاية الملف. الغضب الذي غذّاها لسنوات طويلة انهار في لحظة.
لم تكن متروكة كما ظنت.
كان هناك دائمًا من ينتظر عودتها.
لفت انتباهها صوت حافت—الرجل الطويل، مضروبًا وينزف، يكافح للوقوف.
تجمّد في مكانه حين وقعت عيناه على ليلى، وظهرت علامات التعرف في عينيه رغم الدم والقذارة.
ثم اندفع نحوها، متعثرًا بين الركض والترنح. "ليلى! أهذا أنتِ حقًا؟ أنا يوسف… أخوكِ!"
مصدومة، همست ليلى، "يوسف؟"
أومأ يوسف برأسه بسرعة، وصوته يختنق بالمشاعر. "نعم، أنا! لم نتوقف يومًا عن البحث عنكِ. لا أصدق أنكِ عدتِ أخيرًا!"