في أسفل الدرج، كانت جولديا أندروز ممددة فوق السجادة الحريرية، تمسك بكاحلها الملفوف بإحكام وتبكي بصوت متهدج، ترافقه شهقات متقنة. "أمي... أرجوكِ لا تقسِي على أختي تشيلسي... ربما كانت متوترة فقط... لم تقصد دفعي، كانت غاضبة لأن والدي اشترى لي ذلك الفستان لحفل الغد..."
انعقد لسان سينثيا من شدة التأثر، وجثت بجانب جولديا تمسح دموعها بلهفة، ثم التفتت إلى تشيلسي ورمقتها بنظرة تقطر كراهية: "انظري إلى براءتها! لم تفكري يوماً إلا في نفسك. أدخلناكِ عائلتنا لتكوني ابنة، فكنتِ أفعى تتربص بنا!"
لم تحرك تشيلسي ساكناً. كانت البرودة التي تسري في أطراف أصابعها تناقض تماماً لهيب وجنتها المحترقة. رفعت بصرها بهدوء، وثبتت حدقتيها في عيني سينثيا، دون أن تمنحها لذة رؤية دمعة واحدة.
أثار ذلك الصمت جنون سينثيا. نهضت بسرعة، وصعدت درجتين لتجذب تشيلسي من معصمها بقسوة حاولت من خلالها جرها إلى الأسفل: "انزلي واعتذري لها راكعة! الآن!"
بحركة خاطفة ومدروسة، لوت تشيلسي معصمها بحزم وانتزعت يدها من قبضة سينثيا، متراجعة خطوة واحدة إلى الوراء دون أي اضطراب. خرج صوتها هادئاً، بارداً كشفرة جليدية: "أنا لم أدفعها."
"ما الذي يجري هنا؟"
تردد الصوت الجهوري الصارم من مدخل الممر المؤدي إلى المكتب. ظهر مارتن أندروز، رب الأسرة، متوشحاً بشتّه الرمادي، ووجهه يفيض بالصرامة والتجهم. ألقى نظرة سريعة على جولديا الباكية على الأرض، ثم تحولت نظراته نحو تشيلسي كقاضٍ أصدر حكمه سلفاً.
"أبي..." انتحبت جولديا وهي تحاول النهوض وتتعثر عمداً، "قدمي تؤلمني بشدة... لن أتمكن من ركوب الخيل في سباق الأسبوع القادم..."
تصلبت ملامح مارتن، واقترب من أسفل الدرج رافعاً يده ليشير نحو الباب الخارجي بجمود لا يحمل ذرة تردد: "اذهبي إلى غرفتك، اجمعي ثيابك فقط. السائق سينقلك إلى الخارج فوراً."
شعرت تشيلسي بانقباض مفاجئ يعتصر أمعاءها. كانت تعلم قسوته، لكنها لم تتوقع أن يكون قرار الطرد بهذه السرعة والاستخفاف. نظرت إليه مباشرة وسألت: "بمجرد تمثيلية رخيصة منها، تطردني دون حتى أن تسألني عما حدث؟"
أشاح مارتن بوجهه مستنكراً، وأجاب بصوت رخيم متجرد من الشفقة: "وجودك هنا بات يضر بسمعة عائلة أندروز في مجتمع الرياض. رفضك لمقابلة رجل الأعمال الأسبوع الماضي كان فضيحة، واليوم تحاولين إيذاء ابنتي. لقد نفد صبري."
أطلقت سينثيا ضحكة ساخرة وقالت: "وبطاقاتك البنكية مجمدة منذ هذه اللحظة. لن تأخذي معكِ ريالاً واحداً من أموالنا. كل ما تملكينه هو بفضل هذا البيت، وحان الوقت لتدركي قيمتك الحقيقية."
رمقتها جولديا من فوق كتف والدتها بابتسامة نصر خفية، لمعت في عينيها مشاعر الشماتة المطلقة.
لم تنطق تشيلسي بحرف آخر. استدارت ببطء، ومشت بخطى واثقة نحو غرفتها في الطابق العلوي. أغلقت الباب خلفها، ووقفت تنظر إلى المكان الذي عاشت فيه اثنين وعشرين عاماً؛ أثاث فاخر وثريات كريستالية، لكن لا شيء من هذا كان ينتمي إليها حقاً.
فتحت خزانة ملابسها، ولم تأخذ سوى عباءتين بسيطتين وبعض القمصان التي اشترتها من عملها الجزئي الخاص أثناء دراستها الجامعية. وعندما مدت يدها إلى الرف الخفي داخل الخزانة، التقطت جهازاً صغيراً جداً بحجم حبة التمر؛ كانت كاميرا مراقبة دقيقة ثبتتها قبل أسابيع حين لاحظت عبث جولديا بأشيائها.
وصلت الجهاز سريعاً بحاسوبها المحمول، ونقلت التسجيل الأخير. كان المقطع واضحاً للغاية: جولديا تقف وحدها عند حافة الدرج، تتلفت يمنة ويسرة، ثم تلتوي ساقها عمداً وتسقط نفسها بمهارة مسرحية، بينما كانت تشيلسي لا تزال تخرج من غرفتها على بعد أمتار دون أن تلمسها.
ابتسمت تشيلسي ابتسامة باردة، ونقلت المقطع إلى هاتفها. لم تكن تنوي التوسل بهذا المقطع للبقاء، بل أرادت به كسر كبريائهم الزائف.
وضعت أغراضها القليلة في حقيبة سفر قماشية قديمة، ونزلت الدرج. كان الطبيب الخاص يعاين كاحل جولديا، بينما جلس مارتن وسينثيا يرتشفان القهوة كأن المشكلة انتهت.
رمى مارتن شيكاً على الطاولة الزجاجية باستهانة: "هذا شيك بخمسين ألف ريال. خذيه، لن نكون قساة تماماً مع من حملت اسمنا يوماً."
تقدمت تشيلسي، ووضعت هاتفها المحمول بجانب الشيك المرمي، وقالت بصوت مسموع للجميع: "قبل أن أخرج، أريدكم أن تشاهدوا هذا العرض الأخير."
اضطربت نظرات جولديا فجأة، وصاحت سينثيا: "لا وقت لدينا لتفاهاتك!"
لكن تشيلسي ضغطت زر التشغيل. صدح صوت جولديا في التسجيل وهي تهمس لنفسها ثم ترمي جسدها، مترافقة مع صورة واضحة لا تقبل الشك. ساد الصمت أرجاء الصالون كصقيع مفاجئ، وتجمدت الكأس في يد مارتن، بينما احتقن وجه سينثيا باللون الأحمر الداكن.
سحبت تشيلسي هاتفها، ونظرت إليهم نظرة تفيض بالاحتقار، تاركة الشيك مكانه دون أن تلمسه: "اثنان وعشرون عاماً من تربيتكم لن أسددها بتوسل، بل أتركها لكم مع كذبكم. من اليوم، لا دين بيننا."
استدارت وسحبت حقيبتها نحو البوابة الحديدية الضخمة، تاركة خلفها وجوههم المصدومة. فتح السائق باب السيارة بتعاطف وحذر: "إلى أين يا آنسة؟"
تذكرت تشيلسي كلمات سينثيا الغاضبة ذات ليلة حين قالت إنهم أخذوها بعد خطأ في مستشفى الولادة، وتذكرت العنوان الوحيد الذي دونه مارتن في ورقة قديمة تخلصت منها في حقيبتها؛ عنوان في واحة الأحساء.
جلست تشيلسي في المقعد الخلفي، ونظرت إلى الأفق الصحراوي الممتد: "تحرك نحو محطة النقل، سأسافر إلى الأحساء."