أخذتُ نفساً عميقاً، محاولةً دفع الهواء إلى رئتي المحترقتين، وأجبرتُ قدمي على التحرك نحو منطقة الاستراحة.
لكن خطواتي كانت تبدو وكأنني أمشي على قطن مبلل.
فقدتُ توازني. تعثرتْ كعب حذائي الرفيع في السجاد السميك.
خرجت شهقة مكتومة من حنجرتي، وأغمضتُ عيني بقوة، بانتظار اصطدام وجهي بالأرضية القاسية.
لكن الألم المتوقع لم يأتِ.
بدلاً من ذلك، التفت ذراع قوية وصلبة حول خصري، أوقفت سقوطي ببراعة تامة.
في تلك اللحظة، اجتاحني عطر رجولي مكثف-مزيج من خشب العود الفاخر وخشب الصندل-عزلني تماماً عن ضجيج القاعة.
وبدافع الغريزة البحتة، تشبثت يداي بطية السترة الرجالية التي أمامي، واعتصرتُ القماش حتى ابيضت مفاصل أصابعي.
فتحتُ عيني ببطء، لتركز رؤيتي على خط فك قاسٍ وحنجرة تتحرك ببطء.
كانت كفه العريضة تسندني من فوق العباءة، قبضته محكمة، مسيطرة، ولكنها لا تتجاوز حدود اللياقة قيد أنملة.
كان دقات قلبي تقرع في أذني كطبول مجنونة، ولم أعد أميز إن كان هذا النبض لي أم للرجل الذي يحملني.
حاولتُ الوقوف باستقامة، لكن ركبتي خذلتاني تماماً، مما أجبرني على الاعتماد أكثر على صلابة جسده.
"استندي عليّ."
كان صوته خشناً، عميقاً كآلة تشيلو، ويحمل نبرة سلطة لا تقبل الرفض.
كان في هذا الصوت سحر غريب، جعل جسدي يسترخي لا إرادياً ويلقي بثقله نحوه.
فجأة، تردد صدى خطوات تقترب من نهاية الممر، ممزقاً تلك الفقاعة المؤقتة التي احتوتنا.
وكأن جسدي تحول إلى جمرة مشتعلة، تغيرت قوة قبضته في جزء من الثانية.
تحولت يده من الاحتضان المنقذ إلى دفع مهذب، يعيد توجيه كتفي لأقف على قدمي.
تراجع نصف خطوة إلى الوراء، خالقاً مسافة اجتماعية صارمة ومطلقة.
حينها فقط، تمكنتُ من رؤية وجهه بوضوح.
عينان داكنتان وعميقتان، أنف مستقيم، ونظرة حادة كصقر جارح.
"فيصل! أين أنت؟"
جاء الصوت الأنثوي المدلل من نهاية الممر.
عند سماع هذا الاسم، تجمد الدم في عروقي، وشعرت وكأن دلواً من الجليد قد سُكب فوق رأسي.
ظهرت لولوة في مجال رؤيتي، تتأبط ذراع وليد، وابتسامة واسعة تضيء وجهها.
انتقلت نظرة فيصل من وجهي لتستقر أمامه، وعادت ملامحه إلى برودها الخالي من أي مشاعر.
رفع يده ببطء، وبحركة آلية، قام بتعديل أزرار أكمام قميصه، وكأن التلامس الذي حدث بيننا قبل ثوانٍ لم يكن موجوداً.
ركضت لولوة نحونا، واتسعت عيناها بدهشة عندما رأتني.
"أنتِ هنا أيضاً؟"
تنقلت نظرات وليد بين فيصل وبيني، وانعقد حاجباه بانزعاج واضح.
ألقى فيصل نظرة جانبية باهتة نحو وليد، وقال بنبرة مسطحة لا حياة فيها:
"سيدة كادت أن تسقط."
وقبل أن يستدير، لاحظ ارتعاش جسدي العنيف بسبب الصدمة والبرد. بحركة سريعة ومحسوبة، خلع سترته الرسمية وألقاها فوق كتفي، مغلفاً إياي بدفء عطره ومانحاً إياي درعاً مؤقتاً، ثم استدار ومشى بخطوات ثابتة نحو قسم الرجال، ظهره مستقيم كجبل، ولم يكلف نفسه عناء الالتفات إليّ ولو لمرة واحدة.
وقفتُ في مكاني، وأطراف أصابعي لا تزال تحتفظ بملمس قماش سترته التي تتدلى الآن على كتفي.
اجتاحني شعور بالعار، يحرق جلدي كالحمض.
اقترب وليد مني خطوة واحدة، وانحنى ليقترب من أذني، هامساً بنبرة سامة:
"لا تُضحّكي الناس، ياسمين."
عضضتُ على شفتي السفلى بقوة حتى تذوقت طعم الدم، محاربةً الدموع التي تجمعت في عيني.
استدرتُ وبدأتُ المشي نحو قسم النساء، وكل خطوة أخطوها كانت تبدو وكأنني أدوس على زجاج مكسور.