"سجى، لا تقولي لي إنكِ تعيدين النظر في الأمر. لقد انقضت مدة عقد الزواج الممتد لعامين. حتى لو أردتِ التراجع عن كلامك، فلا فائدة من ذلك الآن."
كان رشيد على حق.
لقد اتفقا قبل الزواج على أن تكون مدة ارتباطهما سنتين فقط. وبما أن العامين قد انقضيا، فقد كان يلتزم بتنفيذ ما يخصه من ذلك الاتفاق.
باختصار، لقد حان الوقت لكي تتخلى سجى عن مكانتها بصفتها السيدة الجعفر.
تمالكت نفسها لبرهة ثم قالت، "لقد أتمت نور عامها العشرين هذا العام. لقد كبرت بما يكفي لتتزوج. لقد جاء طلاقنا في اللحظة المناسبة."
كانت نور الكامل أخت سجى غير الشقيقة، ولطالما كانت قرة عين رشيد. كان تفانيه من أجل نور يتجسد بوضوح في كل تصرف يصدر عنه.
منذ سنتين، اكتشف الأطباء إصابة نور باللوكيميا، وكشفت الفحوصات أن نخاع عظم سجى يتوافق تماماً مع نخاع نور. لقد كان توافقاً نادراً قدم أفضل فرصة لنجاح العلاج دون التعرض لخطر الرفض المناعي.
بالطبع، لم يكن بإمكان سجى أن تدير ظهرها لـ نور. لقد كانت مستعدة للتبرع بنخاع عظمها حتى لشخص غريب، فما بالك بأختها.
ومع ذلك، لم يَرَ رشيد الأمر بهذا المنظور. كان يظن أن سجى امرأة متجردة من المشاعر وتهتم بمصالحها فقط، ولن تفكر يوماً في مساعدة نور.
وهكذا، ولأجل نور، لم يتوانَ عن إهدار كبريائه لدرجة أنه جثا على ركبتيه متوسلاً سجى لتقبل مساعدته.
لم يسبق لـ سجى أن رأت رشيد، الرجل المعروف بكبريائه الذي لا يلين، يذل نفسه بهذه الطريقة.
تربت هي رشيد جنباً إلى جنب، وكان يربطهما ماضٍ ضارب في القدم وعميق الأثر. لكن بالنسبة لها، لم يكن الأمر يوماً مجرد صداقة. لقد أحبته طوال عشر سنوات.
لذا، حين رأته يذل نفسه هكذا من أجل أخرى، تملكتها موجة من الغضب والغيرة كادت تُفقدها صوابها.
وفي فورة غضبها، طالبت سجى رشيد بأن يتزوجها.
ولأن رشيد كان يائساً لإنقاذ نور، فقد وافق. ومع ذلك، فقد وقعا اتفاقاً على أن يستمر زواجهما لمدة عامين فقط.
كانت سجى ساذجة للغاية حين اعتقدت أن عامين كفيلان بجعل رشيد يقع في حبها.
ومع ذلك، ظل رشيد بعيداً ومنعزلاً، فقد ظل قلبه مرتبطاً بنور بكل جوارحه وبثبات لا يتزعزع. لقد خسرت سجى، وكانت هزيمة مذلة ومهينة.
وما إن فكرت في ذلك، حتى تلاعبت ابتسامة تهكم ذاتي على طرفي شفتي سجى الشاحبتين.
بدت على وجه رشيد الوسيم ملامح نفاد صبر. ناول سجى قلماً وقال بفتور، "وقّعيها."
ألقت سجى نظرة خاطفة على القلم الذي في يده. ثم أومأت برأسها، وتناولته منه، ثم رفعت الوثيقة عن الطاولة. قلبت الأوراق وصولاً إلى الصفحة الأخيرة، ثم دوّنت اسمها.
تركت القلم من يدها، ورفعت بصرها لتنظر إلى رشيد. تقاطعت نظراتهما. كانت عيناه لا تزالان بجمالهما وجاذبيتهما المعهودة. غير أنها كانت باردة لدرجة جعلت قلبها يرتجف صقيعاً.
تناول رشيد المستند من يدها، وأخذ يطالع توقيع سجى. نظر إليها وقال، "لقد انتكست حالة نور الصحية. هي..."
"كيف يمكن أن يحدث ذلك؟ إذن، أتريدني أن أذهب إلى المستشفى لأمد لها يد العون مجدداً؟" قاطعته سجى قبل أن يتم كلامه. كان الذهول جلياً على وجهها.
قبل سنتين من الآن، كانت قد منحت نور نخاع عظمها لإنقاذ حياتها. وهل يتوجب عليها تكرار الأمر مجدداً؟
"لا حاجة. لا أريدكِ أن تقومي بحماقة كهذه مرة أخرى،" قال رشيد بحدة. "لقد رتبتُ بالفعل لاستقدام أكفأ الأطباء من أجلها. كما أنني وجدتُ متبرعاً آخر مناسباً. لا يتعين عليكِ القيام بأي شيء هذه المرة. لكن نور قالت إنها تفتقدك. فقط اذهبي إلى المستشفى وقومي بزيارتها."
لاحظت سجى التغير الطفيف الذي طرأ على هيئة رشيد عندما أتى على ذكر نور. تلاشت حدة حاجبيه المنعقدين، واستبدل تعبيره القاسي المتبلد بآخر يفيض رقة.
أثار ذلك المنظر غصة وجع مريرة في أعماق قلبها. ومع ذلك، تظاهرت بأن الأمر لم يؤثر فيها، واكتفت بإيماءة من رأسها بالموافقة.
"لقد فات الأوان قليلا. هل تمانع إذا انتقلتُ من هنا غداً؟" قالت سجى، وقد أجبرت نفسها على ابتسامة باهتة. وفي قرارة نفسها، لم تملك إلا أن تأمل بأن يبدي رشيد ولو قدراً ضئيلاً من الاهتمام. ولكن على عكس توقعاتها، قال بحزم، "سيقوم إدريس بإيصالكِ إلى الفندق."
لقد كان يطردها هكذا ببساطة.
ألا يُمكنها البقاء لليلة واحدة إضافية على الأقل؟
تجمدت ابتسامة سجى. نهضت من مكانها، وظلت ترمق رشيد بنظراتها لبرهة. ثم استدارت وغادرت المكان بملامح يكسوها الجمود.
عادت إلى غرفتها، وتناولت حقائبها التي لم يتسنَّ لها الوقت لفتحها بعد، ثم اتجهت إلى الطابق السفلي. هرعت بضع خادمات للمساعدة، لكنها أشاحت بيديها رافضةً تدخلّهن. "لا حاجة. يمكنني تدبر أمري."
تبادلت الخادمات النظرات فيما بينهن. ولم يملكوا إلا أن يتنهدوا في استسلام، ثم اصطفوا لتوديعها.
عاشت سجى في هذا المنزل لعامين، وقد نمت في داخلها بعض الألفة تجاه هذا المكان. ففي نهاية المطاف، كان الجميع، باستثناء رشيد، يعاملونها بلطفٍ شديد.
كانت تشعر بشيء من التردد في الرحيل. لكن برود رشيد طوال عامين من الزواج قد استنزف روحها بشدة. لقد فقدت أجزاء من روحها.
استنشقت سجى نفساً عميقاً وأخيراً. فليكن.
أغمضت عينيها وقالت لنفسها بحزم إن الوقت قد حان لتمضي في طريقها وتتخلى عن كل شيء.
وعلى الرغم من شعورها بأن قلبها يتمزق إرباً، إلا أنها أبت أن تذرف دمعة واحدة.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بالفعل حين أتمت سجى إجراءات دخولها إلى الفندق.
لكنها لم تستطع أن تغمض لها جفن. ظل الاضطراب الذي يعتمل في صدرها يؤرقها طوال الليل. مع بزوغ الفجر، هيّأت نفسها وتوجهت مباشرة إلى المستشفى العام بمدينة الغابة.
كانت نور تقيم في جناح لكبار الشخصيات، وكانت هناك ممرضة خاصة تلبي لها كل احتياجاتها. ومن خلال زجاج الباب، رأت سجى الممرضة وهي تطعمها. غير أنها لم تكد تتناول بضع لقمات حتى استفرغت كل شيء. لسببٍ ما، جعل هذا المشهد سجى تشعر بنوع من عدم الارتياح.