"إن آخر رغباتها أن تكون زوجتي"، أردف، وكأن الأمر لا يعنيه.
حملقت ليلى فيه مذهولة. ساد الصمت أرجاء الغرفة انتشار الضباب.
ألقى المصباح الجانبي ضوءًا واهنًا، فارسم ظلالًا طويلة على الجدار، فأوهمهم ببعدٍ يفوق حقيقتهم.
رمقها أحمد بنظرة عابسة خفيفة.
"ليس سوى لتسلية خاطرها"، بيّن. "سنعقد الزواج مجددًا بعد ستة أشهر. لن تمكث طويلًا يا ليلى."
كان صوته راسخًا، أقرب إلى اللامبالاة، كمن يردد قولًا لا صلة له به.
ظلت ليلى تحدق في أحمد صامتة، وعيناها لا تفارقان قسمات وجهه.
تكلم كأن عباراته أوامر، لا آراء تُقترح.
كانت علاقتهما منذ البدء أحادية الجانب. سعت وراءها منذ البداية، مدفوعة باندفاع العاطفة في ريعان الشباب.
لازمت جانبه أعوامًا، تجتاز كل مرحلة عسيرة دون أن تفارقه.
لا تزال ليلى تستحضر ذلك اليوم، تحت وابل المطر الذي أغرقهما، حين وقف أحمد حائلًا بينها وبين زوج أمها، قابضًا على عصا مشروخة، وهتف بصوت متقد: "إن لمستّ ليلى ثانية، ستندمي."
لقد انطبعت تلك اللحظة في قلبها نقشًا لا يُمحى. حتى حين كانت واهنة تنزف، أبصرته واقفًا لا يلين، حاميًا جسورًا.
ومنذئذٍ، صارت ملك قلبه.
أحبته بلا انقطاع، واستجابت لمطالبه بما تملك، تحسن تنفيذها على وجه لا يبلغه غيرها.
كان يلمس رأسها بلمسة رقيقة دافئة، ويهمس: "أحسنتِ يا ليلى."
غير أن ثناء أحمد كان سريع الزوال، وقُبَلاته خاطفة، وكل مودة بينهما بدت دائمًا عصيّة الإدراك. إلا أن ليلى أقنعت نفسها بأن ذلك طبعه.
وحتى حين نعتها الناس بالسذاجة، ظلت وفيّة واثقة.
أفنت سبعة أعوام من عمرها في سبيله.
قبل عام، تدهورت صحة جد أحمد، سامر جابر. فرأت العائلة، رجاء تحسّن حالته، أن يُقدم أحمد على الزواج. عسى أن يمنحه بهجة الزواج ما يتشبث به.
وهكذا عقد أحمد قرانه على ليلى.
ظنت أن تلك اللحظة قد آتت أخيرًا. غير أن أمرًا تبدل عقب تبادل العهود. أخذ ينسحب منها رويدًا. كان أحيانًا يرمقها وكأن لا عهد له بها.
"ليلى، أتنصتين؟" قطّب أحمد حاجبيه حين استوعب البُعد في عيني ليلى.
"أيلزم أن تمضي الأمور على هذا النحو؟" همست برقة.
لم يجب عليها. بل قال: "إنها تعاني كثيرًا، يا ليلى."
انقبض صدر ليلى. "وماذا عني؟"
لم يُجب أحمد حالًا. ارتعشت عيناه الداكنتان الثابتتان بإيماءة ضجر خفيّة.
ثم، بعد نحو ثلاث ثوانٍ، قال: "ليلى، إنها تحتضر. لعلّك لا تعلمين، غير أنها واقعة في حبي. ولأننا كنّا متزوجين، ولم تُرِد أن تؤذيك، لم تسمح يومًا أن تتخطّى الأمور حدودها بيننا. وحتى حين حاولت جبر خاطرها، لم تسمح من ذلك. إنها إنسانة طيبة. أرجوكِ، دعيها تنال هذا الأمر. لا تدفعيني لظنّ أنكِ منزوعَة الرحمة."
كلماته الهادئة أثخنتها أكثر مما لو نطق بها صارخًا.
وهكذا، في نظر أحمد، كانت المرأة التي أحبّت رجلًا متزوجًا، وتعهدت أن تبقى على مسافة دون أن تتخلى حقًا، بمثابة قديسة.
أما الزوجة التي رغبت فقط أن تحافظ على زوجها لها وحدها، فهي عنده بلا قلب.
حدّقت ليلى في وجهه. هو ذاته الوجه الذي عشِقَته؛ عينان عميقتان، وأنف بارز، وشفاه فاتنة.
متى بدأ كل شيء ينهار؟
لعلّه اليوم الذي ظهرت فيه تلك المرأة.
"أأنت واثق بأن هذا ما تريده حقًا؟" سألت ليلى، وقد تماسكت.
ظل أحمد صامتًا، قابضًا على شفتيه.
وأخيرًا، همّ بالكلام. "نعم، أنتِ..."
"حسنًا." فقاطعته ليلى قبل أن يُتمّ جملته.
رفع أحمد نظره إليها، وعلامات الدهشة بادية عليه. قطب حاجبيه، متفحصًا إياها عن قرب.
"ليلى، لقد أصبحتِ حاذقة"، قال، وفي صوته لمحة ضيق. "أنتِ تدركين أن موافقتك شرط للمضيّ فيه. أتودّين استغلال ذلك لإغاظتي؟"
لم تنطق ليلى بشيء. واكتفت بالتحديق في الحائط الأبيض، تتابع امتداد ظلالهما.
أطفأ أحمد سيجارته، ولم يُضف كلمة، وارتدى ملابسه مسرعًا وغادر في غضب.
لم يتريث ليتأمل ما تشعر به. ولا توقّف ليُدرك كم كان طلبه مهينًا وموجعًا.
كان على يقين بأنها لن تهجره.
كان جازمًا بهذا تمام الجزم.
أُغلق الباب خلفه بعنف.
وهكذا، تُركت ليلى وحيدة.
جلست ساكنة قرب السرير، تحدق في الباب كأنه سيُفتح من جديد.
اهتز هاتفها إلى جوارها.
وأضاءت الشاشة برسالة.
تناولت الهاتف.
كان من رقم معروف لها. "أتى لرؤيتي من جديد."
وردت الرسالة مرفقة بصورة. كان وجه أحمد منعكسًا على بابٍ زجاجي، تتراقص ابتسامة رقيقة على شفتيه، وعيناه تشعّان دفئًا لم تألفه ليلى قط.
تجمدت في مكانها. ثم راحت، بتؤدة، تتصفح الرسائل السابقة صعودًا. "أخبرني أنّه يُكنّ لي مشاعر."
"إن الليالي الممطرة لا أشعر فيها بالوحدة، إذ هو بقربي. وماذا عنكِ؟"
"حقًا، المرأة التي لا تُحب هي الأخرى في القصة. ليلى، لم تكوني قط خياره الأول؛ إنما كنتِ من ارتضى بها في النهاية. يبصر الجمال كما أبصره، ويوافقني في الذوق، ويحبني."
ظلّت الرسائل على هذا المنوال، شاهدةً على خيانة أحمد.
الرجل الذي ظلّ يحيطها بالبرود طيلة سبع سنوات، بدا وكأنه قد أحسن فنّ الحنان مع أخرى.
واصلت ليلى التمرير حتى بلغت الرسالة الأولى. "ينبغي أن تدركي من أكون. هل راقت لكِ أزهار غرفة المعيشة اليوم؟ أنا من أرسلتها. قال إنها جميلة."
لا ريب أن ليلى كانت تعلم تمام العلم من تكون.
مريم غسان، مصمّمة الأزهار ذائعة الصيت، التي اشتهرت بتزيين فيلات عملائها الأثرياء وحفلاتهم الباذخة بأزهار منسّقةٍ في غاية الدقة والجمال.
كانت ليلى قد عرضت على أحمد تلك الرسائل من قبل. تجاهل الأمر، وزعم أنه لا دليل يثبت أنّها من مريم.
بل ذهب إلى القول إنّ ليلى ربما بعثت بها بنفسها لإحداث البلبلة. أغلب الرسائل خلت من الصور، وما احتوى منها على صور كان مبهمًا، ملتقطًا من بعيد، عسير التحديد.
غير أنّ رسالة اليوم كانت استثناءً. أما رسالة اليوم فكانت جلية المعالم.
حدّثت ليلى نفسها بعرض الصورة عليه. ثم اتجه بصرها صوب الدرج الجانبي. مدّت يدها وفتحته.
فإذا به هناك. نتيجة اختبار الحمل التي أخذتها في وقتٍ سابق من ذلك اليوم.
كانت تحمل في أحشائها جنين أحمد. في أسوأ لحظة يمكن تخيّلها.
انهمرت دموعها، فبللت الورقة وشوّهت الحبر.
وما جدوى ذلك الآن؟ لقد مضى زمن طويل على رحيل قلب أحمد عنها.
جففت ليلى وجهها، والتقطت الولاعة التي خلّفها وراءه. تماوجت ألسنة اللهب حين قرّبت نتيجة الاختبار من النار.
لم يكن أحمد ليتخيّل أن موافقته على الطلاق ستكون آخر ما تقدّمه له.
ردّت إليه ما كانت مدينةً به، لا مالًا، بل سبع سنين كاملة من عمرها.
ولن تحمل له حبًا بعد اليوم.