سقط الملف الجلدي الثقيل على طاولة خشب الماهوجني أمام كايلا. تناثرت بعض الأوراق البيضاء، وظهر العنوان العريض بخط أسود غليظ: "اتفاقية إنهاء عقد الزواج والتجريد الكامل من الأصول العائلية".
تجمدت أصابع كايلا فوق حافة فستانها البسيط. شعرت بجفاف مباغت يضرب حلقها، كأن حبات رمل ملتهبة استقرت في قصبة هوائها. رفعت عينيها ببطء نحو الرجل الذي عاشت في ظله ثلاث سنوات كاملة. كان يقف بشموخه المعتاد، وسامته الحادة وبدلته الداكنة لا تعكس سوى القسوة.
أطلقت كاندي سعالاً خفيفاً ومصطنعاً، ورفعت يدها المرتجفة لتغطي فمها، متكئة بكل ثقلها على ذراع هيوز. انسدلت خصلات شعرها على وجهها وهي تهمس بصوت باهت:
"أخي هيوز...... أرجوك لا تقسُ على كايلا. لستُ غاضبة منها...... مرضي وعجزي ليسا ذنبها، ولا أريد أن أكون سبباً في شتاتكما."
التفت هيوز نحوها على الفور، وتبدلت ملامحه القاسية إلى رقة مفرطة وهو يمسح على ظهر يدها:
"اصمتي يا كاندي. أنتِ ضحيتِ بحياتكِ وصحتكِ لتنقذيني من حطام تلك السيارة في الصحراء، وتركتكِ الحادثة بظهر مكسور وساق عاجزة. هذا القصر لكِ، ومكانكِ كسيدة أولى لآل روتشا هو حقكِ الشرعي والدين الذي في عنقي، وليس تفضلاً مني."
وضعت السيدة كالي فنجان القهوة المذهب على الصحن الخزفي برنة خفيفة، ثم نظرت إلى كايلا من أعلى إلى أسفل بنظرة تقطر احتقاراً:
"يكفي ما نالته ابنة السائق الفقير. ثلاث سنوات عشتِ فيها من أموال الصندوق الائتماني لآل روتشا، وأكلتِ من خير هذا البيت. يجب أن تحمدي الله وتغادري بصمت قبل أن نراجع كل قرش أُنفق عليكِ وعلى والدتكِ في المشافي الخاصة."
ابتلعت كايلا غصتها، وشدت قامتها جالسة على الأريكة، رافضة أن تنحني. نظرت في عيني هيوز مباشرة وسألته بصوت متحشرج لكنه ثابت:
"ثلاث سنوات يا هيوز. ثلاث سنوات لم أغادر فيها هذا القصر، سهرتُ عند رأسك ثلاثة أيام بلياليها حين أصابك النزيف المعوي، والآن تختصر كل شيء في ورقة تجريد أصول؟"
هزأ هيوز بابتسامة باردة، ووضع يده في جيب بنطاله:
"كان ذلك واجبكِ كزوجة بموجب العقد المؤقت. لا ترفعي من قيمة خدماتكِ المنزلية الرخيصة لتجعلي منها أداة ابتزاز. آل روتشا لا يدينون لأمثالكِ بشيء."
عضت كايلا على باطن شفتها السفلية حتى شعرت بطعم الدم المالح يسري في فمها. الألم الجسدي وحده كان قادراً على منع دموعها من السقوط أمام هؤلاء الشامتين. أدركت في تلك اللحظة أن كل ذرة مودة أو تضحية قدمتها لهذا الرجل لم تكن في نظره سوى خدمات عمالة مدفوعة الأجر.
سحبت كايلا الأوراق نحوها. قلبت الصفحات حتى وصلت إلى البند الأخير. توقفت عيناها عند فقرة مظللة بالأحمر: تجميد كافة الحسابات المصرفية، ومصادرة البطاقات، والإنهاء الفوري لتغطية نفقات الرعاية الطبية لوالدتها فاطمة في المركز الطبي الخاص.
رفعت رأسها فجأة، واشتعلت في عينيها شرارة غضب لم يرها هيوز من قبل:
"هل ستوقف علاج أمي؟ هي تصارع المرض في العناية المركزة وأنت تعلم أن قطع الدواء يعني موتها!"
أجابها هيوز ببرود مطلق وهو يعدل أزرار أكمامه الفضية:
"المركز الطبي تابع لمؤسستنا، والامتيازات تُمنح لمن يحمل اسم العائلة فقط. وبمجرد توقيعكِ، تصبحين غريبة. أوجدي لها سريراً في المشافي العامة إن استطعتِ."
لوحت السيدة كالي بيدها في الهواء بازدراء:
"ثلاث سنوات في مشفى خمس نجوم كانت نعمة لا تحلم بها خادمة مثلها. كفاكِ تباكياً ووقّعي."
نظرت كايلا إلى كاندي، فرأت في عيني الأخرى وميض انتصار خبيثاً وابتسامة تكاد تفر من بين شفتيها وهي تختبئ خلف ذراع هيوز. في تلك اللحظة، مات آخر جزء حي في قلب كايلا تجاه هذا الرجل وتلك العائلة.
أمسكت بالقلم المعدني الموضوع على الطاولة. كانت برودة المعدن تلسع جلدها، لكنها أحكمت قبضتها عليه. لم تتردد ثانية واحدة. خطت توقيعها بالكامل، بحروف قوية شقت سطح الورق، ووضعت النقطة الأخيرة بعنف جعل سن القلم يصدر صريراً حاداً.
ألقت القلم على الأوراق الموقعة، ووقفت مستقيمة الظهر كرمح لا ينكسر.
"انتهى كل شيء بيننا يا سيد هيوز. من هذه اللحظة، لا أنا أعرفك ولا أنت تعرفني."
تجمد هيوز في مكانه. كان يتوقع منها أن تنهار، أن ترتمي عند قدميه متوسلة من أجل علاج أمها، أو تبكي مطالبة بنفقة تسد رمقها، لكن ذلك البرود المطلق في عينيها وتلك النظرة الخالية من أي مشاعر جعلت صدره يضيق فجأة بانزعاج غامض لم يعهده.
حاولت كاندي مد يدها لتلتقط الوثيقة بلهفة:
"الحمد لله يا هيوز...... أخيراً تحقق العدل......"
سحب هيوز الوثيقة بحدة قبل أن تلمسها كاندي، وظلت عيناه معلقتين بظهر كايلا وهي تستدير وتتجه نحو الباب الخشبي الضخم دون أن تنظر خلفها خطوة واحدة.
صرخت السيدة كالي من ورائها:
"اخرجي من قصرنا فوراً، واحرصي ألا تتركي أثر قذارتكِ على الأرضيات!"
أمسكت كايلا بالمقبض النحاسي للباب، وتوقفت لثانية واحدة دون أن تلتفت، وقالت بصوت رخيم وصل إلى أقصى زاوية في المجلس:
"اطمئني...... حتى هواء هذا القصر، أستنكف أن يدخل رئتي ثانية."