رفعت هاتفها بيد ترتعش للمرة العاشرة، وطلبت الرقم المحفور في خلايا ذاكرتها، رقم زوجها، الشيخ راشد بن سلطان آل راشد. جاءها الرد الآلي ذاته، جافاً وقاسياً كصحراء الربع الخالي: "إن المشترك الذي تحاول الاتصال به مشغول حالياً، يرجى المحاولة في وقت لاحق."
سقط الهاتف من قبضتها الواهنة فوق الملاءة البيضاء. بقيت الشاشة مضاءة لثوانٍ معدودة، كاشفة عن خلفية الشاشة الوحيدة التي تجمعهما منذ ثلاث سنوات، يوم عقد القران الذي بدا فيه راشد بابتسامة متكلفة ونظرات شاردة لا تراها.
ابتلعت أمل ريقها الجاف كرماد، وقالت بصوت متهدج بالكاد خرج من حنجرتها المتقلصة: "هاتِ الأوراق يا دكتور سامي... أنا سأوقع."
تقدمت الممرضة المشرفة وهي تناوله القلم والملف الطبي، لكن نظراتها كانت تفيض بشفقة موجعة لم تستطع إخفاءها، قبل أن تلتفت إلى زميلتها وتهمس بصوت خافت لم يحسبا أنه سيخترق صمت الغرفة الثقيل: "يا للمسكينة، تقاسي آلام الزائدة الدودية بمفردها بينما الشيخ راشد في جناح الولادة بالطابق العلوي لا يفارق الآنسة رزان."
تصلبت أطراف أمل في لحظة واحدة، وتوقفت أنفاسها في صدرها كأن صاعقة قد ضربت نخاعها الشوكي. رفعت عينيها المحتقنتين نحو الممرضتين اللتين ابتلعتا ألسنتهما رعباً فور التقاء نظراتهما.
أكملت الممرضة الثانية بصوت أكثر انخفاضاً وارتجافاً: "سمعت أن الآنسة رزان حامل في شهرها الأول بطفل الشيخ، المستشفى كله يتحدث عن اهتمامه البالغ بها منذ الصباح."
لم يعد هناك ألم في بطنها. في جزء من الثانية، خدر جليدي رهيب زحف من أطراف أصابع قدميها حتى استقر في تجويف قلبها، مطفئاً كل إحساس جسدي. ثلاث سنوات من الصمت والوحدة في قصره الموحش، ثلاث سنوات وهي تتجرع إهماله وبروده وتخبر نفسها أنه رجل دولة محاصر بمسؤوليات مجلس العائلة الحاكمة، فإذا به هناك، في نفس المبنى، يمنح دفئه ورعايته لامرأة أخرى.
نزعت أمل إبرة المغذي من ظهر يدها بحركة مباغتة، فتفجر قطرات الدم القانية لتلوث الغطاء الأبيض، ثم قفزت من السرير متجاهلة الصرخة المذعورة التي أطلقها الدكتور سامي: "سيدتي! لا تتحركي، الزائدة على وشك الانفجار!"
لم تكن تسمع سوى صوت دقات قلبها المذعورة في أذنيها. تحاملت على جرحها النابض، وغادرت الجناح بخطوات مهتزة تجر ثوب المستشفى الرقيق فوق الرخام البارد للممر الفسيح. كانت جدران المستشفى العاجية تتمايل أمام عينيها الغائمتين، لكن ساقيها واصلتا التقدم مدفوعتين برغبة وحيدة تحرق ما تبقى من عقلها: أن ترى الحقيقة بعينيها.
وصلت إلى مصعد كبار الشخصيات المؤدي لقسم النساء والولادة. عندما فتحت الأبواب على الردهة الفارهة المفروشة بالسجاد الإيراني الثقيل، لم تحتج إلى السؤال. كان باب العيادة الخاصة مفتوحاً جزئياً، والضوء الدافئ ينسكب منه نحو الخارج.
توقفت أمل خلف الجدار الزجاجي، وسندت كتفها المرتعش على الحافة الباردة.
هناك، داخل الغرفة، وقف الشيخ راشد آل راشد، بجسده الفارع وهيبته الطاغية، يحيط بذراعه خصر رزان المهنا بحذر مفرط كأنها خُلقت من زجاج هش. كانت رزان تتكئ برأسها على صدره العريض، ووجهها يفيض بإشراقة انتصار هادئة، بينما وضعت يدها فوق كفه الكبيرة ليستقرا معاً فوق بطنها الذي ما زال مسطحاً.
ارتفعت عيناهما نحو شاشة السونار المعلقة على الحائط، حيث نبضت صورة بيضاء وسوداء باهتة.
كانت ملامح وجه راشد، التي طالما واجهت أمل بالجمود والفظاظة، رخية بشكل مرعب، محفوفة بابتسامة خافتة ورقيقة لم ترَ أمل شبيهاً لها طوال زواجهما البائس. همس راشد بكلمات لم تصل إلى مسامعها، لكن انحناءة عنقه وطريقة ملامسة أصابعه لثوب رزان الحريري كانت كافية لتهشيم آخر ما تبقى من كبريائها.
"إذن... لم تكن مشغولاً بالدولة يا راشد." همست الكلمات في حلقها كجرعة سم.
كانت تصنع له النصر تلو النصر من خلف الستار، تسهر الليالي تحت الاسم المستعار "المستشار س" لترسم له الخطط الاقتصادية والسياسية التي ثبتت أقدامه في وجه أعمامه المتآمرين، وهو هنا، يقطف ثمار ما زرعته ليمنحه لامرأة لطالما استهزأت بكون أمل مجرد يتيمة لا ظهر لها في مجتمع النخبة.
انخلع فؤادها داخل ضلوعها، وشعرت بسائل ساخن يحرق خديها. انحلت قواها فجأة كحبل انقطع تحت وطأة ثقل هائل. انزلقت ببطء على طول الجدار الرخامي البارد حتى لامست ركبتيها الأرض.
التفت راشد داخل العيادة بحركة لا إرادية نحو الممر، كأن صدى أنفاسها اللاهثة قد اخترق وعيه، لكن عينيه لم تريا سوى الباب الخارجي المغلق، ولم يلمح سوى ظل واهن يتلاشى في الزاوية، ليعيد نظره نحو رزان بملامح عابسة لثوانٍ قبل أن تعود رقته المزيفة.
أغلقت أمل عينيها بينما كان السواد يبتلع رؤيتها، وجاء صوت الدكتور سامي اللاهث وهو يصرخ بالممرضين ورجال الأمن لإحضار نقالة الطوارئ فوراً. رفعت الممرضات جسدها المتصلب فوق السرير المتحرك، لتتسارع العجلات نحو غرفة العمليات، بينما أغلقت الأبواب الفاصلة بين عالمين: عالم تشرق فيه حياة جديدة على حساب أنقاضها، وعالم تسقط هي فيه إلى ظلام لا قرار له.