التفت زايد نحوها ببدلته الإيطالية الفاخرة، وعيناه اللتان عاد إليهما البريق بعد ثلاث سنوات من الظلمة التامّة تتأملانها ببرود يشبه وخز الصقيع. لم تكن في نظراته ذرة من الدفء، بل مجرد ازدراء متراكم:
"ما الذي يجعلكِ تتسللين كاللصوص في الزوايا؟ ألم تتعلمي بعد أصول اللياقة كزوجة تعاقدية لآل راشد؟ أم أن بيئة الأيتام التي انتشلتكِ منها لم تغرس فيكِ سوى هذه الحركات المتدنية؟"
ابتلعت ليلى الغصة الجافة التي تشكلت في حلقها، وشدّت قامتها بهدوء لا يشي باضطراب نبضات قلبها. كانت عيون الحاضرين تمسحها بازدراء؛ نساء النخبة يتهامسن خلف مراوحهن اليدوية، والرجال يبتسمون بتهكم على "الزوجة المنسية" التي قبعت بجوار الأعمى ثلاث سنوات فقط لتُعامل كقطعة أثاث بالية فور شفائه.
خطت ليلى نصف خطوة إلى الأمام محاولة إعطاءه التقرير الذي يؤكد استقرار عصب شبكيته، لكن حارسين ضخمي الجثة تقدما بأمر من نظرة زايد، واعترضا طريقها بجدار من الأجساد الصلبة، ما أجبرها على التراجع وإعادة المظروف إلى كم عباءتها بهدوء مميت.
في تلك اللحظة بالذات، انفتحت بوابات القاعة الكبرى على مصراعيها.
دخلت نورا الغامدي تتهادى بفستان أبيض حريري رصع صدره بحبات الألماس الإفريقي النادر، ووجهها يشع بنعومة مصطنعة جعلت عدسات المصورين تتسابق نحوها. كانت تبدو كفراشة بيضاء نقية هبطت لتوها في حفل تتويج.
وفور أن وقع بصر زايد عليها، ذاب كل الجليد المرتسم على ملامحه، وحلّ مكانه حنان جارف وشغف لم تره ليلى في عينيه ولو لثانية واحدة خلال ثلاث سنوات من السهر على جراحه.
تجاوز زايد الجميع بخطوات واسعة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً وكأنها عدم لا يُرى، حتى وصل إلى نورا وأمسك بمعصمها برقة بالغة أمام الجميع:
"نورا...... تأخرتِ عليّ."
أحنت نورا رأسها بخفر مدروس، بينما لمعت في عينيها نظرة انتصار خبيثة وجهتها مباشرة نحو ليلى الواقفة في الظل:
"زايد، عيناك لم تتعافيا تماماً بعد، ولا يجوز أن تجهدهما بكل هذه الأضواء المبهرة...... قلبي ينفطر خوفاً عليك."
التفت زايد نحو مساعده الخاص الذي كان يقف بانتظار إشارة منه، فتقدم الأخير حاملاً علبة قطيفة كحلية فاخرة. فتحها زايد بحركة استعراضية، لتكشف عن عقد "نجمة الصحراء"، تلك التحفة الفريدة من الياقوت الأحمر الخالص التي تنافست عليها متاحف العالم وتجاوزت قيمتها عشرات الملايين من الريالات.
شهقت نساء القاعة في ذهول جماعي، بينما رفع زايد القلادة بين يديه وأعلن بصوت جهوري رجّ جدران الصالون:
"هذه ليست سوى قطرة من فيض امتناني لكِ يا نورا. طوال ثلاث سنوات، كنتِ الملاك الذي لم ينم، والطبيبة التي أعادت لروحي النور حين تخلى عني الجميع. أنتِ وحدكِ من يستحق أن تتوج بـ "نجمة الصحراء" كمنقذة لبصري."
"منقذة لبصرك؟"
ترددت الكلمة كصاعقة داخل أذن ليلى. شعرت بانقباض حاد في معدتها وبرودة لا ترحم تجتاح أطراف أصابعها.
ثلاث سنوات كاملة قضتها ليلى محبوسة في غرف العمليات المعقمة سراً، ترهق بصرها المجهري في خياطة أدق الألياف العصبية الميكرونية الممزقة في عينيه، ثلاث سنوات من استنزاف روحها وطاقتها الطبية الأسطورية التي عرفها كبار جراحي العالم تحت اسم "نور الحكمة"... والآن، وبكل سهولة، يُنسب المجد بكامله لامرأة هربت إلى نوادي أوروبا حين كان زايد يصرخ في عماه، لتعود اليوم وتسرق ثمرة معجزتها!
تراجعت نورا خطوة إلى الوراء بتمثيلية متقنة وهي تمسح دمعة وهمية:
"زايد...... هذا كثير جداً، أنا فقط أديت واجبي كطبيبة محبة...... والأخت ليلى تنظر إلينا، أخشى أن نجرح مشاعرها......"
أطلق زايد ضحكة ساخرة جافة، والتفت شاطراً نظراته المسمومة نحو ليلى:
"هي؟ ليلى لم تكن سوى ممرضة مأجورة دفع لها جدي المال لتغير لي الضمادات وتطعمني حين كنت عاجزاً. كيف تجرئين على مقارنة نفسكِ الرفيعة بامرأة لا تجيد سوى الأعمال اليدوية الرخيصة؟"
ضحكات خافتة ومتهكمة سرت بين الحضور كالنار في الهشيم، تلوك سمعة "اليتيمة البائسة" التي تطاولت لتطمع في سيد آل راشد.
وقفت ليلى منتصبة القامة كالرمح، تنظر إلى نورا نظرة ثاقبة وباردة جعلت ابتسامة الأخيرة تتجمد قليلاً خلف ستار دلالها. لم تنطق ليلى بكلمة، ولم تدافع عن نفسها؛ فالكرامة التي تسكن دماءها أرفع من أن تنحدر لجدال مع لصوص.
اقترب زايد من نورا وألبسها القلادة بيديه، لتلامس أصابعه عظم ترقوتها برقة جعلت نورا تصدر تنهيدة خافتة من الدلال.
في تلك اللحظة، شعرت ليلى بغثيان حقيقي يجتاح كيانها.
استدارت بحركة حاسمة وحادة، فاصطدم كم عباءتها بطاولة زجاجية صغيرة بجانبها، ليسقط كأس العصير ويتناثر شظايا على الأرضية الرخامية، قاطعاً ثرثرة المحتفلين.
قطب زايد حاجبيه وصاح بغضب أهوج:
"ليلى! إن كنتِ تنوين إثارة جنونكِ وغيرتكِ الرخيصة فعودي إلى القصر وافعلي ذلك هناك، لا تلطخي اسم عائلة آل راشد أمام عليّة القوم!"
لم تتوقف ليلى، ولم تلتفت إليه حتى، بل رمت كلماتها فوق كتفها بنبرة خالية من أي نبض:
"كما تشاء تماماً."
حاول نادل عند الباب منعها للتحقق من هويتها، لكنها سحبت بطاقة سوداء ذات نقش ذهبي مجهول من حقيبتها ومررتها أمام عينيه الخائفتين. فور رؤيته للرمز الملكي الخاص، انحنى النادل بزاوية تسعين درجة متراجعاً برعب ليفسح لها الطريق.
دفعت ليلى الباب الثقيل، لتستقبلها رياح الخليج الليلية المحملة بلسعات الرطوبة وحبات الرمل، فطهرت أنفاسها من عطر الورد المصطنع الذي خنق القاعة.
أخرجت هاتفها ببرود، وبحركات أصابع سريعة وواثقة، حظرت الرقم الخاص لزايد آل راشد ومسحت كل ما يربطها به إلى الأبد.
توقفت أمام الدرج سيارة صالون سوداء مصفحة بالكامل بلا لوحات واضحة. هبط السائق وفتح الباب الخلفي بانحناءة احترام مطلقة:
"طال عمركِ، هل نعود لمقركِ الخاص؟"
صعدت ليلى إلى المقعد الجلدي الوثير، وأسندت رأسها بتعب قارس:
"إلى قصر آل راشد أولاً...... عليّ أن أوقع أوراق الخلاص."
تحركت السيارة بهدوء مخيف، تاركة وراءها أضواء الفندق البراقة. نظرت ليلى عبر المرآة الجانبية وابتسمت ابتسامة باردة كحد الشفرة؛ ثلاث سنوات من الذل الصامت انتهت الآن، وحان وقت الحساب.
وفي داخل القاعة، ظل زايد ينظر إلى الباب المغلق، وهو يشعر بوخزة مجهولة تضغط على صدره، وشعور مبهم بالفقد يسلبه نشوة الاحتفال، قبل أن تشد نورا على ذراعه بدلال أعاده إلى وهمه الزائف.
فتحت ليلى جهازها اللوحي المشفر برمز سري من ستة عشر حرفاً، لتظهر أمامها شاشات التداول وأسهم شركة آل راشد التجارية المتداعية. وضعت إصبعها فوق زر "سحب التمويل السيادي"، ثم تراجعت ببطء:
"ليس بعد يا زايد...... سأدعك تصعد خطوة أخرى نحو القمة، لتكون سقطتك إلى القاع بلا قاع."
انعطفت السيارة نحو المسار المظلم المؤدي إلى قصر آل راشد، حيث صعدت ليلى إلى غرفة المكتب في الطابق العلوي، وجلست خلف الطاولة الخشبية الفاخرة، تنتظر عودة الرجل الذي ظن أنه اشترى كرامتها بثمن بخس.