على الجانب الآخر من الطاولة الخشبية الفاخرة، دفع المحامي، وهو رجل خمسيني ذو شارب مشذب وبدلة رمادية مبالغ في لمعانها، بنسختين من وثيقة الطلاق نحو هيرمينا. رسم المحامي على شفتيه ابتسامة لزجة تقطر شفقة مصطنعة وقال: "يا سيدة مونتويا... عفواً، آنسة هيرمينا آل مجيا قريباً. سيد بارون كان كريماً للغاية معكِ. هذه الشقة المؤثثة في ضواحي الرياض الشمالية والمبلغ المودع في الحساب، كافيان تماماً لتأمين حياة مستقرة لامرأة بخلفيتكِ البسيطة دون الحاجة للعمل."
لم ترمش هيرمينا. كانت تجلس في عباءتها السوداء الفضفاضة، ووجهها الخالي من أي مساحيق تجميل يبدو كلوح من الشمع الأبيض تحت أضواء النيون الباردة. لم تنظر إلى الأوراق التي تمثل نهاية ثلاثة أعوام من الزواج الذي فرضه واجب قديم، بل كانت عيناها مثبتتين على الأفق المتسع خلف الواجهة الزجاجية الشاهقة، حيث تعانق ناطحات سحاب الرياض السماء الرمادية الساخنة.
تنهد بارون بنفاد صبر، وشد أطراف غترته البيضاء بعصبية أظهرت عروق يده النافرة: "هيرمينا! كفّي عن هذا الصمت البارد. لقد ضيعتِ ما يكفي من وقتي. أريانا تشعر بالإرهاق اليوم وتحتاجني بجانبها، ولا نية لدي لقضاء الظهيرة في مراقبة شرودكِ المعتاد."
كان اسم "أريانا آل دالي" يسقط في الغرفة كحجر في ماء راكد. أريانا، مصممة المجوهرات الرقيقة، حبيبة شبابه و"وردته البيضاء" التي عادت إلى حياته لتعلن أن قلب بارون لا يتسع لزوجة هادئة فرضتها التقاليد.
أدارت هيرمينا بصرها ببطء شديد نحوه. كانت حدقتاها سوداوين كليل الصحراء، عميقتين لدرجة جعلت بارون يتراجع لا إرادياً بنصف بوصة نحو مسند مقعده. هذا البرود لم يكن ما اعتاده منها طوال سنوات خدمتها له في قصره بالدرعية؛ لم يكن هناك دمع يترقرق، ولا يد ترتجف، ولا صوت يتهدج استجداءً للبقاء.
"ما الذي تنظرين إليه؟" سأل بارون، محاولاً تغليف ارتباكه الفجائي بنبرة استعلاء فجة. "أتظنين أن التحديق سيغير شيئاً؟ لقد اخترتُ أريانا. اخترتها هي وسأبقى معها. مكانتكِ كزوجة لآل مونتويا كانت هبة، وانتهى وقتها."
زفرت هيرمينا نفساً قصيراً، وارتسمت على زاوية فمها انحناءة باهتة للغاية؛ لم تكن ابتسامة، بل كانت تشريحاً صامتاً لرجل فرغ من كل هيبة.
مدت أصابعها النحيلة، وأمسكت بقلم المونت بلانك الذهبي الموضوع أمامها. تبادل بارون ومحاميه نظرة سريعة ملؤها الثقة بأنها ستبدأ الآن بطلب المزيد من الأسهم أو زيادة النفقة الشهرية. لكن هيرمينا لم تفتح فمها بأي شرط. نزعت غطاء القلم بحركة حاسمة صدر عنها صوت نقرة معدنية حادة ملأت أرجاء القاعة الساكنة.
في خانة التوقيع الأخيرة، خطت يدها الثابتة حروف اسمها الثلاثي: "هيرمينا آل مجيا".
كان خطها عربياً أصيلاً، منسقاً بقوة تجريد واضحة لا يمتلكها إلا من اعتاد إصدار الأوامر المصيرية. تركت القلم، وسقط غطاؤه على الطاولة ليدحرج بضع سنتيمترات قبل أن يستقر أمام ملف المحامي المذهول.
"هكذا فقط؟" خرجت الكلمة من فم بارون دون وعي. عقد حاجبيه مذهولاً من السهولة التي تخلت بها عن لقب عائلته ذائعة الصيت.
وقفت هيرمينا مستقيمة. قامت بتعديل طرف حجابها الأسود بدقة متناهية، ونظرت إلى بارون من علٍ بنظرة لم ترَ فيها عيناه سوى فراغ مطبق.
"بارون،" نادت اسمه مجرداً من أي ألقاب كان يفرضها على خدمه وحاشيته، وبنبرة منخفضة جعلت مسام جلده تقشعر: "قريباً جداً، ستجوب مستشفيات العالم بحثاً عن رجل يُدعى 'الحكيم'."
تصلب جسد بارون، وضاق بؤبؤ عينيه: "عن أي خرافة تتحدثين؟" كان الاسم صادماً لبارون؛ إذ لم يمر سوى يومين منذ أن همس له أحد أعمامه النافذين بأن الأمل الوحيد لمرض أريانا المناعي النادر يكمن في التواصل مع طبيب أسطوري متوارٍ عن الأنظار يلقب نفسه بـ "الحكيم"، ولم تكن تفاصيل الأمر قد خرجت من دائرة العائلة الضيقة.
واصلت هيرمينا كلامها دون أن تمنحه فرصة للاستيعاب، وببرود يماثل صقيع الجبال: "احفظ كلامي جيداً. ستبحث عنه في كل زاوية، ولن تجده. وحين تعجز، تذكر هذه اللحظة."
التفتت نحو الباب، وخطت بثبات منقطع النظير، وجسدها الرشيق يتحرك بوقار لم يلحظه بارون يوماً تحت ثيابها الفضفاضة.
اشتعلت النيران في رأس بارون، وشعر بأن هيبته كرجل من كبار عائلات نجد تُسحق أمام محاميه الخاص. قفز واقفاً، وضرب الطاولة بقبضته ضربة هزت الأقداح الزجاجية: "توقفي مكانكِ! بأي حق تتفوهين بهذه الألغاز؟ إلى أين تظنين نفسكِ ذاهبة؟"
وضعت هيرمينا كفها على مقبض الباب الفولاذي، وتوقفت دون أن تكلف نفسها عناء الالتفات خلفها.
"منذ هذه اللحظة،" قالتها بصوت تقطر كلماته حزماً كحد السيف، "شرف آل مونتويا وخسائرهم لم تعد تعنيني بشيء. وحياتك وموتك... لم يعودا شأني."
فتحت الباب وخرجت، مخلّفة وراءها صفيراً خافتاً للهواء البارد الذي أغلق المصراع ورائها.
"سيدي..." تلعثم المحامي وهو يبتلع ريقه ويمسح عرقه المتصبب. "لا تعرها اهتماماً، مجرد امرأة منبوذة تحاول حفظ ماء وجهها بكلمات جوفاء."
"اصمت!" زأر بارون، وهو يحدق في الباب المغلق، وصدره يعلو ويهبط بحدة، وشعور غريب بالاختناق يجثم على أضلاعه للمرة الأولى منذ سنوات.
خرجت هيرمينا من البهو الرخامي لبرج المحاماة إلى ساحة الانتظار الخارجية. كانت شمس الرياض في الظهيرة تصب أشعتها الذهبية الساطعة، فرفعت ذقنها واستنشقت الهواء الساخن المحمل برائحة الأسفلت والحرية.
توقفت بجانب الرصيف سيارة فيراري حمراء بصوت محرك هادر يشبه زئير فهد بري. انزلق الزجاج الداكن للنافذة، لتظهر من خلفه نظارات شمسية عريضة تضعها شابة سمراء بملامح حادة وفم مطلي بحمرة قرمزية جريئة.
"هل انتهت المهزلة؟" سألت روان آل قاسم، وريثة كبرى شركات الملاحة وصديقتها الوحيدة التي تعرف حقيقتها.
فتحت هيرمينا الباب وجلست في المقعد الجلدي الوثير، وارتسمت على شفتيها لأول مرة ابتسامة حقيقية مشبعة بالتحرر: "انتهت. والآن يبدأ الحساب."
داست روان على دواسة الوقود، فانطلقت الفيراري شاقة زحام الشارع العريض، وضحكت بصوت رنان: "ممتاز. أهلاً بكِ مجدداً في عالمكِ، يا هيرمينا. وجهتنا الأولى: التخلص من هذا السواد البائس، فقد حان الوقت لتعرف الرياض من تكونين حقاً."