لكنه لم يكن ينظر إليها.
اهتز هاتفه فجأة على الطاولة، وأضاءت الشاشة برقم غير مسجل.
عندما رأى سلطان الرقم، تغيرت ملامحه في جزء من الثانية. اختفى الهدوء الجليدي من عينيه، وحل محله توتر حاد، لهفة لم ترها أمل عليه من قبل.
نهض من مقعده على الفور، وكأن الطاولة اشتعلت فيها النيران.
تحرك بسرعة، ساحباً نفسه من اللحظة، من الغرفة، ومن وجودها بالكامل. التقط غترته وعقاله من على الأريكة المجاورة، وارتداهما بحركات سريعة ومتقنة وهو يتجه نحو الباب.
"سلطان؟"
خرج صوتها ضعيفاً، مجرد همس ضائع في الهواء.
لم يرد.
أغلق الباب خلفه بصوت مدوٍ، تاركاً إياها وحدها مع رائحة الطعام الذي برد، وقلبها الذي بدأ يبرد أيضاً.
حاولت أن تقنع نفسها. "ربما هناك أمر طارئ في الشركة. نعم، هذا كل ما في الأمر."
بدأت في جمع الأطباق، وأصابعها ترتجف قليلاً. كانت تردد في رأسها التعويذة التي عاشت عليها طوال عامين: "فقط كوني زوجة صالحة. أدي واجباتك. يوماً ما، سيذوب الجليد الذي يحيط بقلبه."
لكن الليلة، بدت هذه التعويذة جوفاء.
وصلت إلى حوض المطبخ المصنوع من الفولاذ اللامع، وفجأة، شعرت بموجة عنيفة من الغثيان تصعد من معدتها. وضعت يدها على فمها، وانحنت فوق الحوض، تتنفس بصعوبة وتحاول كبت رغبة عنيفة في التقيؤ.
لم يكن هذا غثياناً عادياً. كان مختلفاً.
تركت الأطباق في الحوض، وهرعت عبر الممر إلى الحمام. فتحت خزانة المرآة، وأخرجت من علبة مخبأة في الخلف عصا اختبار حمل احتياطية.
كانت يداها ترتجفان بشدة وهي تتبع التعليمات.
في دقائق الانتظار التي تلت ذلك، والتي بدت وكأنها دهر، مرت في ذهنها المرات القليلة التي جمعتهما فيها علاقة زوجية. كانت تلك اللحظات نادرة، وميكانيكية، وكأنها مجرد تأدية واجب ضمن بنود عقد زواجهما. لم يكن هناك شغف، ولا حتى حنان. مجرد صمت وأداء.
ومع ذلك، كان هناك أمل.
نظرت إلى عصا الاختبار.
ظهر خط أحمر واضح. ثم، ببطء مؤلم، بدأ الخط الثاني في التكون، ليصبح وردياً، ثم أحمر قاني.
خطان.
شهقت أمل، ووضعت يدها على فمها المفتوح من الصدمة. انفجرت الدموع من عينيها، لكنها لم تكن دموع حزن. كانت دموع فرحة عارمة، فرحة لم تشعر بها منذ سنوات.
هذا الطفل. هذا الطفل هو هبة من الله. معجزة ستربطهما معاً إلى الأبد. سيكون الجسر الذي يعبر به قلبها إلى قلبه.
شعرت بموجة من الدفء تنتشر في صدرها، وشعور بالبهجة جعلها ترغب في الصراخ.
كيف ستخبره؟ يجب أن يكون الوقت مناسباً. ربما يجب أن تحضر عشاءً خاصاً آخر، وتفاجئه. لا، قد يشعر أن الأمر مفاجئ جداً. يجب أن تخطط لذلك بعناية.
خرجت من الحمام، وابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيها لأول مرة منذ أسابيع. وعندما وصلت إلى المدخل، لاحظت ملفاً مهماً يحمل شعار شركة آل راشد قد تركه سلطان على الطاولة الجانبية.
"لقد نسيه في عجلة من أمره." فكرت.
ترددت للحظة. أرادت أن تتظاهر بعدم رؤيته، أن تتجنب أي احتكاك به الآن، وهي في هذه الحالة الهشة. لكن الملف كان يحمل ختم "عاجل"، وقد يتسبب تأخيره في مشكلة للشركة. تنهدت، وقررت أن تضعه في مكتبه حتى لا يضيع.
كان باب مكتبه موارباً. دفعته برفق، لتتفاجأ برؤية سلطان واقفاً في الشرفة المقابلة، وقد عاد من المدخل الآخر. كان يتحدث في الهاتف.
كانت على وشك أن تناديه، لكنها تجمدت عندما سمعت نبرة صوته. كانت نبرة لم تسمعها من قبل، نبرة دافئة وحنونة، نبرة تذيب الصخر.
ثم نطق بالاسم.
"داليا."
كانت الكلمة المنطوقة باللغة العربية، لكنها بدت وكأنها لغة أجنبية تماماً على شفتيه.
ضرب الاسم أمل كصاعقة. داليا. حبه الأول من أيام دراسته في أمريكا. الأسطورة التي سمعت عنها همساً في مجالس النساء، المرأة التي قيل إنها حب حياته الأبدي.
واصل سلطان الحديث بنفس النبرة الحنونة، "أخيراً عدتِ. أنا قادم إلى المطار لأقلك."
تراجعت أمل خطوة إلى الوراء، واصطدم ظهرها بإطار الباب، محدثة صوتاً خفيفاً مكتوماً.
استدار سلطان على الفور، يقظاً كصقر. عندما رآها، اختفى الدفء من عينيه في لحظة، وحل محله الجليد المعتاد، مصحوباً بنظرة من النفاد الصبر.
لم ينهِ المكالمة. بدلاً من ذلك، ودون أن يبعد الهاتف عن أذنه، قال للطرف الآخر ببرود قاطع: "لا تهتمي. مجرد شخص من أهل البيت."
"أهل البيت".
الكلمة طعنت قلبها كسكين مسنون. يمكن أن تعني أحد أفراد الأسرة. ويمكن أن تعني أيضاً أحد الخدم. في هذه اللحظة، شعرت أمل أنها الخيار الثاني. لقد أدركت أنها لا تستحق حتى أن يشار إليها كزوجة.
أنهى سلطان المكالمة، ونظر إليها ببرود، "هل كنتِ تتنصتين؟"
انهار خط دفاعها العاطفي بالكامل. دارت الدموع في عينيها، لكنها حبستها بعناد، رافضة أن تمنحه متعة رؤيتها تبكي.
تجاهل سلطان دموعها، والتقط هاتفه مرة أخرى واتصل برقم آخر. أدار ظهره لها، متجهاً نحو النافذة.
"المحامي، من فضلك." قالها بنبرة رجل أنهى لتوه صفقة تجارية.
تجمدت أمل في مكانها، وقدماها مثبتتان في الأرض.
"نعم، بخصوص إجراءات ما بعد الزواج." تابع سلطان، وصوته بارد وعملي. "أريد البدء فوراً. كان هذا الزواج مجرد واجب والتزام، وقد حان الوقت لإنهائه."
انسحب الهواء من رئتي أمل. الواجب. الالتزام. هاتان الكلمتان سحقتا أي شرارة أمل متبقية لديها. لم تكن شيئاً أكثر من بند في قائمة مهامه، بند يقوم بشطبه الآن.
تجاوزها سلطان، وأخذ مفاتيح سيارته من على المكتب، وخرج من الغرفة دون أن يلتفت إليها.
مرة أخرى، سمعت صوت الباب وهو يغلق بقوة. هذه المرة، لم يكن الصوت مجرد إغلاق باب، بل كان صوت عالمها وهو ينهار.
ركضت إلى غرفة نومها، وأغلقت الباب خلفها، وأدارت القفل. انزلقت على طول الباب الخشبي حتى جلست على الأرض الباردة.
وضعت يديها على بطنها، ودفنت وجهها في ركبتيها، وأطلقت العنان لأنات مكتومة هزت جسدها بالكامل.
في الظلام، تلاشت صورة وجه سلطان البارد وهو يتحدث عن "الواجب والالتزام"، مع صورته وهو ينادي اسم "داليا" بحنان، لتخلق تبايناً قاسياً حفر نفسه في روحها إلى الأبد.