أخرجت هاتفها من حقيبتها. شاشته كانت محطمة، شبكة من التشققات تمتد عبر السطح المظلم. تجاهلت الألم الحاد في أطراف أصابعها المجروحة وضغطت على أيقونة الاتصال، باحثة عن اسمه. "سلطان".
رنين طويل وموحش بدأ يدوي في أذنها. كل رنة كانت بمثابة مطرقة تدق على جدار صبرها المتداعي، وتجعل ضجيج قسم الطوارئ من حولها يبدو أكثر صمتاً بشكل مؤلم.
وفجأة، انقطع الاتصال.
صوت الخط المشغول كان حاداً وقاطعاً، مثل شفرة سكين باردة قطعت آخر خيط من الأمل كانت تتمسك به.
تجمدت أصابعها للحظة قبل أن تعاود الضغط على زر الاتصال مرة أخرى، ويداها ترتجفان بشكل لا يمكن السيطرة عليه.
"عفواً، إن الرقم الذي تطلبه..."
صوت البريد الصوتي الآلي كان بمثابة حكم الإعدام. انطفأ الضوء الأخير في عينيها، تاركاً وراءه فراغاً مظلماً.
"سيدتي، هل أنتِ بخير؟" دفعت الممرضة كرسيًا متحركًا نحوها. "يجب أن ترتاحي قليلاً".
أومأت ليلى برأسها بشكل آلي، وجلست على الكرسي بينما كانت أفكارها تتخبط في دوامة من الفوضى. في تلك اللحظة، تحولت شاشة التلفزيون المعلقة في زاوية قاعة الانتظار إلى خبر عاجل.
رفعت عينيها ببطء، دون اهتمام حقيقي.
لكن الصورة التي ظهرت على الشاشة جمدت الدم في عروقها.
كان سلطان هناك. زوجها. يخرج من عيادة خاصة فاخرة، وذراعه تحمي امرأة ترتدي نقابًا أسود، لكن ليلى عرفتها على الفور. نور.
اندفع الصحفيون نحوهم، وأصبحت الميكروفونات كأنها غابة من الأذرع الممتدة. لم يتكلم سلطان، لكنه شد قبضته حول ذراع نور، وشكل جسده درعاً بشرياً لحمايتها. كانت لفتة مليئة بالرغبة في الحماية، لفتة لم ترها ليلى موجهة إليها قط.
ثبتت ليلى نظرها على شيء واحد فقط.
أزرار أكمام قميصه الفضية.
لقد كانت هديتها له في ذكرى زواجهما الأولى. قضت أسابيع تبحث عنها، قطعة فريدة منقوش عليها الأحرف الأولى من اسميهما. والآن، كان يرتديها بينما يحمي امرأة أخرى.
شعور حارق بالخيانة اخترق صدرها، أقوى من ألم حروقها. توقف تنفسها للحظة، وشعرت بأن قلبها يتمزق إرباً.
تذكرت صراخها طلبًا للمساعدة عندما حاصرتها ألسنة اللهب في شقتهما الصغيرة التي استأجرتها بالقرب من منزل جدتها المريضة. كانت وحدها، تتنفس الدخان، وتدعو الله أن يخرجها أحد.
وقارنت ذلك بمشهد الحماية الرقيق على الشاشة.
عضت على شفتها السفلى بقوة، حتى شعرت بطعم الدم المعدني في فمها. حبست دموعها الحارقة، ورفضت السماح لنفسها بالانهيار هنا، أمام الغرباء.
أغمضت عينيها، ومرت أمامها صور السنوات الثلاث الماضية. زواجها الذي كان مجرد صفقة. لقد وافقت على أن تكون زوجته في العلن، الدرع الذي يواجه به ضغط عائلته، وفي المقابل، تكفل هو بعلاج جدتها الباهظ. لقد كانت تظن، بسذاجة، أنها بمرور الوقت قد تكسب قلبه.
الآن، تحطمت تلك الأوهام كزجاج محطم. لم يكن يراها زوجة حقيقية أبداً. كانت مجرد أداة، ورقة في لعبة لم تفهم قواعدها قط.
ضحكة ساخرة ومريرة كادت تفلت من شفتيها. لقد أدركت في هذه اللحظة أنها في قلبه لا تساوي حتى شعرة من رأس نور.
نظرات الشفقة التي رمقها بها بعض المرضى الجالسين بالجوار كانت كالإبر، توخز ما تبقى من كبريائها.
أخذت نفساً عميقاً، واستقامت في جلستها على الكرسي المتحرك. أعادت هاتفها المحطم، الذي كان يحمل كل آمالها المذلة، إلى أعماق حقيبتها.
توقف الصراع الداخلي في تلك اللحظة. حل محله إحساس بالوضوح القاطع، مثل جراح يقرر بتر طرف مصاب بالغرغرينا لإنقاذ بقية الجسد.
"هل يمكنني الحصول على ورقة وقلم؟" سألت الممرضة بصوت ثابت فاجأها هي نفسها.
وقعت على أوراق الخروج دون تردد.
"من الأفضل أن تبقي للمراقبة الليلة،" نصحتها الممرضة بقلق.
هزت ليلى رأسها. "لا، أنا بخير." كان في عينيها تصميم لم يعد يعتمد على أحد.
أخرجت هاتفاً قديماً آخر من حقيبتها، هاتف احتياطي لم تستخدمه منذ شهور. فتحته، ووجدت اسم "هالة - وكيلة أعمالي" في قائمة جهات الاتصال.
كتبت رسالة نصية قصيرة، وأصابعها تتحرك بثبات مدهش.
"جهزي لي أوراق الطلاق. سأعود للعمل بكل قوتي."
ضغطت على زر الإرسال.
عندما ظهرت علامة "تم الإرسال" على الشاشة، أطلقت زفيراً طويلاً، كما لو أنها ألقت عن كتفيها عبئاً ثقيلاً كانت تحمله لثلاث سنوات.
حاولت الوقوف، لكن الألم الحاد في ساقها جعلها تترنح وتطلق شهقة خافتة.
دفعت يد الممرضة التي امتدت لمساعدتها بلطف. "أنا بخير، شكراً لكِ."
استندت بيد واحدة على الحائط، وبدأت تتحرك ببطء شديد، خطوة تلو الأخرى، نحو باب قسم الطوارئ. كانت خطواتها بطيئة، لكنها كانت ثابتة، لا رجعة فيها.
انزلقت الأبواب الزجاجية الأوتوماتيكية لتفتح على ليل الرياض البارد. هبت ريح قوية، بعثرت خصلات شعرها المتناثرة وحملت معها رائحة الدخان العالقة بها.
لفت عباءتها السوداء حول جسدها بإحكام، ونظرت إلى الشارع الفارغ. الصمت المطبق حولها ضخّم إحساسها بالوحدة، لكنه لم يعد يخيفها.
عضت على أسنانها، ووقفت بثبات في وجه الريح الباردة، ورفعت يدها لتوقف سيارة أجرة كانت تقترب.
كانت مستعدة لترك الماضي يحترق خلفها.