رفعت فرياء بريجز عينيها نحوه، وصوتها أهدأ من المعتاد: "لماذا بهذه السرعة؟"
جاءها الردّ صريحًا: "أمل عادت."
لم تحتج فرياء إلى تفسير، الاسم وحده كان كفيلًا بأن يفتح جرحًا قديمًا. ساد صمتٌ قصير، قبل أن تقول ببساطةٍ موجعة: "حسنًا."
تردّد إحسان لوهلة، وكأن قبولها السريع أربكه أكثر مما توقّع.
مدّت فرياء يدها نحو الأوراق، تقلّبها ببطء، بينما انسحبت أفكارها إلى الماضي.
قبل عامين، التقيا في مطعم. كانت مثقلةً بالهموم، وهو غارقًا في حطام قلبٍ مكسور. جلسا معًا صدفة، وتحوّلت الصدفة إلى حديثٍ طويل امتدّ حتى ساعات الفجر الأولى.
لم يكن هناك اندفاعٌ أحمق… فقط فراق بلا ضجيج بعدها.
لكن بعد ثلاثة أيام، عاد إليها… عاد هذه المرّة لا كرجلٍ عابر، بل كرجلٍ يحمل عرض زواج. ووافقت.
ومنذ ذلك الحين، كان يعاملها برفق لم تعهده… يجفف شعرها بيديه، يسبقها إلى حل مشكلاتها، ويحيطها بعناية صامتة.
كانت علاقتهم مثالية… حتى ستة أشهر مضت، عندما غيرت مكالمة هاتفية واحدة كل شيء.
في ليلةٍ واحدة، تحوّل دفؤه إلى صقيع، وابتعاده إلى حقيقةٍ لا يمكن تجاهلها.
حينها فقط عرفت: أن إحسان لم يتزوّجها حبًا، بل لأنها تشبه أمل.
ضغطت على شفتيها، ثم رفعت رأسها من جديد، وقالت بنبرةٍ خفيفة تخفي ما تحتها: "قلت إن بإمكاني طلب تعويض، صحيح؟"
أجاب إحسان بنبرة لامبالية: "نعم."
رفعت نظرها نحوه، ووجهها الرقيق خالٍ من بريقه المعتاد: "أيّ شيء أريده؟"
نظر إليها، وللحظةٍ عابرة، لمعت في عينيه ومضة تردّد. "نعم."
كان قد قرر بالفعل تلبية مطالبها المعقولة.
بعد كل شيء، كانت جيدة معه طوال الوقت.
ابتسمت فرياء ابتسامةً خفيفة، لكنها خالية من أي دفء: "أريد أغلى سيارة في مرآبك."
"موافَق."
"وفيلا في الضواحي."
"تم."
ثم أضافت، بنبرةٍ هادئة كأنها تتحدّث عن أمرٍ عابر: "ونصيبي من أرباحك خلال العامين الماضيين."
لأول مرة، تزعزع ثبات إحسان. تضيّقت عيناه، وحدّق فيها كأنه يشكّ في ما سمعه: "ماذا قلتِ؟"
أعادت طلبها بثبات: "الدخل خلال الزواج يُعدّ ملكًا مشتركًا، أليس كذلك؟ وبحسب حسابي وباستثناء الاستثمارات فإن أرباحك خلال العامين الماضيين تصل إلى مليارات. لا أريد الكثير، فقط 40%."
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء نفسه توقّف.
ثم أضافت، وكأنها تلقي جملةً عابرة:"وبالطبع، يمكنك أن تأخذ 40% من دخلي أيضًا."
عندها انفجر صبره أخيرًا. "فرياء!" جاء صوته هذه المرّة مشوبًا بصدمةٍ لم يستطع إخفاءها.
هل راودته حقًا ولو لمحةُ ندمٍ عابرة قبل لحظات؟ وكيف غفل طوال هذا الوقت عن جشعها؟
رفعت فرياء عينيها إليه بثباتٍ لا يتزعزع، وقالت بهدوءٍ بارد: "أهذا غير مقبول؟"
بالطبع غير مقبول.
لم يتردّد إحسان لحظةً في رفضه:
"انسَي الأمر." وضعت فرياء قلمها ببطء، وكأنها أسدلت الستار على مرحلةٍ كاملة، ثم قالت بنبرةٍ لا تخلو من حدّة: "في المرة القادمة التي ألتقي فيها بعائلتك..K سأخبرهم عن خيانتك العاطفية. وأظنهم سيقفون في صفي."
تبدّلت ملامحه فورًا، واسودّت عيناه ببرودٍ قاسٍ. لم يكن يتوقع هذا الوجه منها الآن فقط أدرك أن خضوعها السابق لم يكن إلا قناعًا متقنًا ومجرد تمثيل.
قال بلهجةٍ مشدودة: "هل تنوين حقًا التفاوض معي بهذه الطريقة؟"
لم ترمش، ولم تتراجع: "نعم." كانت تعلم أنه يكره التهديد.. لكنها تكره الخيانة أكثر.
ساد صمتٌ ثقيل، ثم قال أخيرًا بصوتٍ مظلم: "حسنًا." ستحصلين على ما تريدين. لكن إن تعثّر الطلاق لأي سبب ستندمين."
استندت فرياء إلى كرسيها، ونبرتها كحدّ السكين: "إحسان الغزالي.، أهذا تهديد؟"
كان هذا الوجه منها غريبًا عليه تمامًا. عامان كاملان وهي صورة الطاعة واللين هادئة، مرنة، لا تعارض. أما الآن، فهي تقابل غضبه بثباتٍ مقلق.
"لا." قالها وهو يعضّ على كلماته، وقد بدأ ذهنه ينسج خططًا مضادة: "ستحصلين على نصيبك. والطلاق يوم الإثنين."
أخفضت فرياء جفنيها للحظة، ثم أضافت بهدوء: "لدي شرط أخير."
"تحدثي." نفد صبره.
"خذني للتسوق غدًا." تجاهلت البرود الذي يفوح منها، وتابعت: "وبعدها، نخبر عائلتك معًا أنني أنا من أنهيت الأمر."
وافق إحسان: "اتفقنا"
وبدون كلمةٍ إضافية، اتجه نحو الباب، كأن بقاءه لثانيةٍ أخرى في حضورها بات أمرًا لا يُحتمل.
قبل قليل فقط، كان يفكّر بمنحها وقتًا لتستوعب الطلاق.
كم كان ذلك مضحكًا. هي، في نظره الآن، لا تنتظر سوى اقتسام ثروته والرحيل.
ولو أنها استطاعت قراءة أفكاره، لابتسمت بسخرية وهمست: "ذلك المبلغ الضئيل؟ أحقًا تظن أنني ألهث خلفه؟"
توقّف عند الباب، دون أن يلتفت، وقال ببرود: "لن أعود الليلة. سأمرّ لأخذك غدًا عند التاسعة. أعدّي قائمة بالأماكن التي تريدين زيارتها."
لحقه صوتها هادئًا، لكن يحمل وخزًا خفيًا: "هل ستذهب إلى أمل؟"
تشنّج فكّه. قال باقتضاب: "هذا لا يعنيك."
زفرت فرياء ببطء، وكأنها كانت تتوقّع الجواب منذ البداية. ثم قالت ببساطةٍ قاطعة: "أنا لا أتسامح مع الخيانة. لذا قبل أن يتم الطلاق رسميًا، من الأفضل لك ألا تنتهي في السرير معها."
استدار إحسان فجأة، بخطوةٍ حادّة، حتى بات يطلّ عليها كظلٍ ثقيل.
لكن فرياء لم ترمش. رفعت حاجبها قليلًا وقالت ببرودٍ مستفز:"ما الأمر؟ ألا تستطيع الانتظار يومين فقط؟"
نظر إليها طويلًا، ثم قال بنبرةٍ هادئة على نحوٍ مريب: "أتفهّم مرارتك، لكن الانفعال لن يفيد. هذا طلاق، لا حرب."
رمشت فرياء ببطء، وكأن الكلمات احتاجت لحظة لتستقر في ذهنها. ثم سكنَت نظراتها عليه، مذهولة. كم هو وقح،
لم يمنحها فرصة للرد. "تصبحين على خير." قال ذلك ببساطة، ثم استدار وغادر.
وأغلق الباب خلفه بصوت خافت، لكنه كان كافيًا ليترك صدى ثقيلًا في الفراغ.
انخفض بصر فرياء إلى أوراق الطلاق الملقاة على الطاولة. بقيت واقفةً مكانها طويلًا دون أن تتحرّك.
أن تقول إنها لم تشعر بشيء سيكون كذبة. لم تكن حجرًا، ولم يكن الأمر بهذه السهولة.
منذ اللحظة التي أدركت فيها أنها لم تكن سوى بديلة استقر الألم في أعماقها، كجذرٍ لا يُقتلع.
كان إحسان حبّها الأول. طوال أربعةٍ وعشرين عامًا، لم يقترب أحد من أسوار قلبها كما فعل هو. وقبل الخيانة كان مثالًا للكمال. حاضرًا، ثابتًا، يبدد شكوكها بصمته الحنون واهتمامه الصادق.
وحين عرفت بأمر أمل، كانت هي من عرضت الرحيل. لتفسح له الطريق وتمنحه الحرية. لكنه رفض.