خارج حدود مدينة وريل، دوى صوت ارتطام صاخب لشيء هوى في النهر، ممزقاً سكون منتصف الليل.
كانت سجى الفخر تقف عند الضفة، فباغتتها موجة من المياه الباردة دون سابق إنذار.
وتسللت رائحة معدنية خفيفة عبر هواء الليل.
استنفرت حواسها على الفور؛ فقد مرت عليها هذه الرائحة من قبل.
إنها رائحة الدم التي لا تخطئها الأنف.
لا بد أن شخصاً ما قد سقط في النهر، وأياً كان هذا الشخص، فهو مصاب لا محالة.
ولم يمضِ وقت طويل حتى شق الظلامَ أصواتٌ مكتومة تناهت إلى مسامعها.
"واصلوا البحث!"
"لا يمكننا تفويت أي أثر!"
"لا تدعوه يخرج حياً!"
واقتربت وقع خطوات متسارعة.
وقفت سجى واقفة تنوي المغادرة، لكن يداً أطبقت على كاحلها في توسل لطلب النجدة.
"أرجوكِ... أي شيء تطلبينه، فقط ساعديني..." بالكاد ارتفع صوت الغريب عن الهمس.
ثم تراخت قبضته وهو يغيب عن الوعي.
قررت سجى في قرارة نفسها أن القدر لا يضع منقذاً في طريق أحد عبثاً. فإذا كان هذا الغريب قد سقط عند قدميها، فإن إنقاذه لزامٌ عليها.
مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت قارورة صغيرة، وسكبت حبة دواء في راحة يدها، ثم دسّتها بحذر بين شفتيه.
ومع كل ثانية، كان دوي الخطوات يقترب أكثر. وشقت ومضات المصابيح اليدوية عتمة الظلام.
حبست أنفاسها، وتركت نفسها تغوص في أحضان النهر ساحبةً الغريب معها.
وبعد فترة وجيزة، طاف رجال متشحون بالسواد على طول الشاطئ، بعيون حادة تبحث وتترقب. لكن سطح الماء تموج برفق، كاتماً أسرار ما تحته.
وإذ لم يجدوا شيئاً، تفرق الرجال خالي الوفاض.
وبمجرد أن عاد الهدوء إلى ضفة النهر، سحبت سجى الغريب من الماء وأعادته إلى اليابسة.
خدّر الماء الجليدي بشرتها وهي تقاوم البرد، ترتعش وتعطس لكنها واصلت عملها.
أخبرها فحص سريع أن نبض الرجل كان منتظماً؛ ما زال متشبثاً بالحياة.
لم تتوقف ولو لالتقاط أنفاسها قبل أن تبدأ عملية الإنعاش القلبي الرئوي.
بدت اللحظات وكأنها تتسرب ببطء، حتى انتفض الرجل فجأة واختلج جسده، وسعل لافظاً كميات كبيرة من الماء.
حامت يد رقيقة فوق أنفه، وحين شعرت سجى بأخف أنفاسه، تدفقت مشاعر الارتياح من صدرها.
ومع انقشاع الضباب، انسكب ضوء القمر الفضي على المشهد.
اتضحت ملامح وجه الغريب: وسامة أخاذة، تكاد تكون مثالية بشكل لا يُصدق.
لفتت انتباهها حركة ما. تحرك الغريب مرة أخرى.
ورف جفناه لينفتحا. رأى فتاة جاثية بجانبه.
وكشف ضوء القمر عن وشم هلال أسود على عظمة ترقوتها.
بما تبقى لديه من قوة ضئيلة، جاهد فارس الفارس ليرفع بصره، راغباً في رؤية وجه الفتاة بشكل أوضح.
لكن الإعياء تمكن منه. أطبقت عيناه، وغاب عن الوعي مرة أخرى.
لم تبدِ سجى أي علامة ذعر. وشقت حبة دواء أخرى طريقها بين شفتيه.
انزلقت أشعة القمر عبر جسده المبلل بينما كانت تتفقد جروحه. تجمع الدم عند خصره؛ جرح عميق، لكنه ليس قاتلاً. لم يكن إغماؤه سوى طريقة جسده للتعامل مع النزيف.
مزقت قميصه المبلل، ونظفت الجرح، ثم نثرت مسحوقاً لإيقاف النزيف.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها عندما انتهت. ولم تستطع مقاومة مد يدها لقرص وجنته شديدة الوسامة.
"حبتان من أندر أدويتي، خصيصاً لك. آمل أن تكون مستحقاً لهذا العناء."
وإذ تيقنت من نجاته، جمعت سجى أغراضها واستدارت لتغادر.
لكن شيئاً ما استوقفها؛ تردد صدى كلماته السابقة في ذهنها.
عادت نظراتها لتجول نحوه، وتوقفت عند القلادة المتدلية على صدره.
أضرم ضوء القمر النار في الحجر الكريم القرمزي فاشتعل توهجاً. كانت القطعة فريدة من نوعها، يستحيل نسيانها.
"قلتَ أي شيء أريده. أنا لا أبالي بالوعود، لكني أهوى الكنوز الصغيرة غير المألوفة."
مالت نحوه، وأطبقت يدها حول القلادة.
"أنت تدين لي بحياتك، وأنا أستوفي حقي العادل فحسب. الآن أصبحنا متعادلين."