"أخبرتكِ ألا تبكي يا ليلى، النبضات المتسارعة ليست أمراً هيناً، أنا قادم إليكِ في الحال، المستشفى لن يبعد أكثر من عشر دقائق!"
قالها وليد بصوت متقطع، يفيض بلهفة لم تشهد نورة مثيلاً لها طوال أشهر خطبتهما الباردة. كان صوته يرتجف، بينما كفه الأخرى تضغط على مقبض الباب بقوة جعلت عروقه تنفر تحت جلده القمحي.
أنهى المكالمة بضغطة زر عنيفة، ثم رمى بصره نحو نورة الجالسة بثبات، لا ترمش عيناها العسليتان الواسعتان.
"مراسم كتب الكتاب لن تتم اليوم. ليلى تمر بنوبة قلبية مفاجئة، ويجب أن أكون بجانبها."
ارتفعت نبرته كمن يلقي حكماً قضائياً لا يقبل الطعن، متجاهلاً أصوات مئة وخمسين ضيفاً من وجهاء وتجار البلد يملؤون المجلس الخارجي لقصر آل منصور.
عند عتبة الباب، ظهرت مها السالم، أخت نورة بالتبني، ترفع طرف فستانها المزين بالدانتيل وتضع يدها الرقيقة على فمها باصطناع بائس:
"يا إلهي! وليد، هل حدث مكروه؟ أرجوك لا تغضب، لعل أختي نورة لم تقصد إثارة المشاكل في مثل هذا اليوم المبارك، أنت تعلم أنها لم تعتد على أعرافنا بعد."
لم تمنحها نورة حتى شرف نظرة عابرة. بقيت عيناها معلقتين بوجه وليد في المرآة، بينما تحركت سبابتها اليمنى بنقرات بطيئة ومنتظمة على سطح الطاولة الرخامية. كانت تلك حركتها المعتادة حين تبدأ في تفكيك الحسابات المعقدة.
قالت نورة بنبرة هادئة، باردة كصقيع الفجر في صحراء نجد:
"كبار عائلتك وممثلو الصناديق الاستثمارية في الخارج بانتظار توقيعنا يا وليد. هل تدرك معنى أن تغادر الآن من أجل امرأة تدعي الإغماء كلما اقترب موعد توقيعك؟"
احتقن وجه وليد بالدم، واندفع خطوتين إلى الأمام، حتى كادت أنفاسه اللاهثة تلامس كتفها:
"ليلى ليست مجرد امرأة! ليلى مريضة وتتألم! لولا مكائدكِ وضغط أعمامي لما جلستِ في هذا المكان أصلاً. كان ينبغي أن تكون هي العروس اليوم! كوني عاقلة وراعي مكانة عائلتنا، لا تتصرفي كفتاة ريفية ساذجة لا تفقه في الوجاهة شيئاً!"
مد وليد يده بعنف، ممسكاً بملف الاتفاق العائلي والبنود الملحقة المطبوعة والموضوعة على زاوية المنضدة، ثم ألقى به على الأرض. تبعثرت الأوراق البيضاء كرماد تحت أقدامها.
لم ترتجف جفون نورة. نظرت إلى الأوراق المبعثرة، ثم رفعت رأسها ببطء شديد، ووقفت مستقيمة بقامتها الفارعة، محاصرة إياه بهالة من السكون المخيف جعلت وليد يبلع ريقه لا إرادياً.
سألته بصوت خفيض:
"إذن، هذا هو اختيارك النهائي؟ تختارها هي؟"
رد وليد باشمئزاز متصنع وهو يدير ظهره:
"نعم! وسأشرح للمجلس أنكِ أنتِ من افتعلتِ المشاكل. ليلى أولى بحمايتي منكِ."
خرج بخطوات واسعة، يتردد صدى حذائه في الممر الطويل، تاركاً الباب مشرعاً على مصراعيه.
اقتربت مها من نورة، وابتسامة الشماتة تقطر من شفتيها المصبوغتين بالأحمر:
"مسكينة يا أختي العزيزة. ظننتِ أن خروجكِ من تلك المزرعة المهجورة سيبقيكِ في سماء آل منصور؟ طيركِ طار لغيرك، وأنتِ هنا لا تساوين حبراً على ورق."
تجمعت عند مدخل الغرفة بعض نسوة العائلة، تتهامس الألسن بنظرات الازدراء والتشفي. قالت إحدى القريبات بصوت مسموع:
"بنت لا أصل لها في قرارات التجارة، ماذا كانت تتوقع؟ إحراج العائلة يجري في دمها."
التفتت نورة نحو مها، ولمعت عيناها ببرود مميت:
"اخرسي."
كلمة واحدة جعلت مها تتراجع خطوة مذعورة، كأن سكيناً خفياً لامس حلقها.
رفعت نورة يديها إلى عنقها. فكت مشبك العقد الذهبي الضخم بحركة حاسمة، ثم ألقته فوق سطح الرخام. أحدث المعدن صوتاً رناناً قوياً شق همهمات الحاضرات. تبعته الأساور، ثم الخواتم، واحداً تلو الآخر، تتساقط كقيود تتكسر.
"الأشياء عديمة الفائدة، يجب أن تذروها الرياح كرمال الصحراء،" همست نورة لنفسها.
سحبت شيلتها السوداء البسيطة من فوق المقعد، ولفتها بإحكام حول رأسها، دون أن تأخذ قطعة واحدة من مقتنيات آل منصور. مشت بخطى واثقة وثابتة، متجاوزة النسوة اللواتي تراجعن مفسحات لها الطريق دون وعي.
عبرت الردهة الطويلة، ثم دفعت البوابة النحاسية الخارجية للقصر.
في الخارج، كانت الرياح تعوي بشدة، معلنة بداية عاصفة رملية تجتاح أطراف الرياض، محولة السماء إلى لوحة من الغبار الأصفر المشتعل. أخرجت نورة هاتفها من جيب عباءتها، وبحركات خاطفة حظرت رقم وليد، ومسحت كل وسيلة تواصل تربطها به.
نظرت إلى امتداد الطريق المؤدي إلى الشريان السريع، وشدت عباءتها ضد الريح العاتية. كانت النار التي تسري في عروقها كافية لابتلاع العاصفة بأكملها، وهي تعرف تماماً إلى أين تتجه، ومن هو الرجل الوحيد القادر على قلب هذه الطاولة رأساً على عقب.