بدأ الهمس يرتفع كأمواج متلاطمة بين مئات الضيوف. التفت راشد نحو تلك الزاوية، حيث تجلس امرأة شاحبة الوجه تبدو ضعيفة للغاية. أضاف راشد بنبرة تقطر بمسؤولية زائفة، وكأنه يقوم بعمل بطولي نبيل يليق بوريث عائلة القحطاني العريقة: "جواهر مريضة جداً الآن وتحتاجني أكثر. لا يمكنني التخلي عنها."
كانت الكلمات بمثابة صفعات متتالية على وجه نورة. بدأت الأصوات تتداخل في أذنيها: "يا إلهي، يترك العروس في يوم زفافها من أجل امرأة أخرى؟" "لقد مسح بكرامة عائلة المالك الأرض." "الجميع يعلم أن جواهر هي من تليق به."
التفتت نورة ببطء، تبحث عن طوق نجاة في عيون عائلتها. لكنها لم تجد سوى نظرة والدها الباردة كالصقيع، وكأنها صفقة خاسرة وليست ابنته. ثم اقتربت منها والدتها بالتبني، حصة، وبدلاً من مواساتها، غرزت أظافرها في ذراع نورة وهمست بغضب لاهث: "ما الذي فعلتيه؟ ألا تستطيعين حتى الحفاظ على رجل؟ لقد دمرتِ مصالح العائلة!"
خلف حصة، وقفت منى، ابنة العائلة البيولوجية، وعلى وجهها ابتسامة انتصار بالكاد تخفيها. التمعت عينا منى بشماتة واضحة، واقتربت لتقول بصوت مسموع: "لا تبكي يا أختي، إذا كان راشد لا يريدك فلا يمكنك إجباره. ربما أكون أنا الأنسب له على أي حال."
تصلب جسد نورة بالكامل. أدركت في هذه اللحظة أنها مجرد سلعة انتهت صلاحيتها، وأن هذه العائلة التي ربتها لم ترَ فيها يوماً سوى أداة لربط المصالح. تجمعت الدموع في عينيها، وحرقت جفونها، لكنها عضت على شفتها السفلى حتى كادت تدمى لتمنعها من السقوط.
وسط هذا الدوار، التقطت عيناها حركة غير عادية عند المدخل الآخر للقاعة. كان هناك موظف من الفندق ينحني باعتذار شديد لرجل يجلس على كرسي متحرك.
كان الرجل يجلس بظهر مستقيم تماماً، رغم إعاقته الواضحة. هالة من البرود والعزلة تحيط به، وكأن كل هذه الفوضى لا تعنيه. تعرفت عليه نورة فوراً. إنه سلطان آل المهنا، الوريث الذي تعرض لحادث أفقده القدرة على المشي، وتم تهميشه من قبل مجلس عائلته. كان من المفترض أن يكون زفافه اليوم أيضاً في القاعة المجاورة، ويبدو أن عروسته قد هربت هي الأخرى.
التقت عيناها بعينيه المظلمتين. فكرة مجنونة، انتحارية، ومندفعة تشكلت في عقلها. إذا كان كلاهما قد نُبذ في هذه الليلة، فلماذا لا...... كانت فكرة وليدة اليأس، صرخة أخيرة ضد الإذلال. لم يعد لديها ما تخسره. كرامتها سُحقت، ومستقبلها تحطم. إما أن تغرق في هذا الوحل، أو أن تشعل حريقاً أخيراً قد يحرقها هي أولاً.
مسحت نورة الدموع العالقة في رموشها بحركة قاسية. تجاهلت نظرات الصدمة من راشد، وصيحات والدها بدر المالك الذي حاول إيقافها. رفعت أطراف فستانها الثقيل، وبدأت تمشي.
خطوة تلو الأخرى. شقت طريقها عبر القاعة، عبر بحر من النظرات الساخرة والمشفقة. كان كل تركيزها منصباً على الرجل الجالس على الكرسي المتحرك، وعلى هالة القوة الهادئة التي تحيط به رغم كل شيء.
مع كل خطوة تقترب فيها منه، كانت تشعر بضغط غير مرئي ينبعث منه. توقفت أمامه مباشرة. افترش فستانها الأبيض الضخم الأرض حول كرسيه المتحرك كزهرة بيضاء نبتت في أرض محترقة.
أخذت نفساً عميقاً، محاولة السيطرة على ارتجاف قفصها الصدري. وفي وسط الصمت المميت الذي لف القاعة، حيث لم يُسمع سوى صوت أنفاسها المرتجفة، انحنت قليلاً لتلتقي عيناها بعينيه، وقالت بصوت واضح وثابت: "سيد سلطان، عروستك لم تأتِ، وعريسي هرب."
سُمعت شهقات الصدمة من الضيوف. لكن نورة لم تلتفت. واصلت كلامها بنبرة لا تقبل التراجع: "حتى لا نكون نحن الاثنان أضحوكة الرياض في هذه الليلة...... هل تقبل الزواج بي؟"
ارتفع حاجب سلطان الأيمن ببطء. لأول مرة، ظهر وميض غامض في عينيه العميقتين. رفع يده، وبدأ ينقر بأصابعه على مسند الكرسي المتحرك بإيقاع بطيء. كان يدرس وجهها الملطخ ببقايا الدموع، وعينيها اللتين تشتعلان بتحدٍ يائس.
على المسرح، تحول وجه راشد إلى اللون الرمادي، بينما كاد بدر وحصة أن يفقدا الوعي من هذا التصرف المتمرد الذي يدمر كل خططهما.
توقف إصبع سلطان عن النقر. فتح شفتيه الرقيقتين، ونطق بكلمة واحدة.