فقد لفحته برودة ونفور في نظرات أمل، شيء لم يشهده منها قط من قبل.
"هذا ليس مزاحاً. وقع أوراق الطلاق وارحل،" أعلنت بصرامة.
تسلل اليأس إلى نبرة فهد مع تضاؤل أمله. "لماذا؟ أبسبب حبك القديم؟"
وعند سؤاله، اكتفت أمل بالإيماء برأسها، ثم ناولته بطاقة مصرفية.
"أنت تدرك السبب بالفعل. لا حاجة لمزيد من الكلمات. هناك مال في هذه البطاقة. اعتبره تسوية مالية. وقع، وخذ المال، وينتهي ما بيننا،" صرحت ببرود جليدي.
ارتعش ثغر فهد، ولكن قبل أن ينبس ببنت شفة، قاطعه صوت متهكم.
"أمل! فقط طلقيه وانتهي منه. لماذا تكلفين نفسك عناء التسوية؟ وهل يستحق هذا الفاشل ذلك حتى؟"
حضر تركي الجاسم، شقيق أمل الأصغر، وعلى وجهه ملامح الازدراء.
وبعد أن حدق في عيني فهد، رفع تركي حاجباً وسخر قائلًا: "إلامَ تحدق؟ هل أهنتك؟ تذكر، عائلة الجاسم تملك سمعة مرموقة في مدينة الغدير. أختي، المدير التنفيذي، بارعة وفتانة! أما أنت يا فهد، فقد أثبتّ أنك نكرة تماماً. ما الذي قدمته في هذين العامين سوى التطفل علينا؟ هل تظن حقاً أنك تستحقها؟"
التفت لينظر إلى شقيقته وأضاف: "بدلاً من إهدار المال عليه يا أمل، يجدر بكِ منحي إياه لأشتري سيارة جديدة. على الأقل سيكون في ذلك نفع ما!"
زفرت أمل بهدوء، وفي صوتها لمحة من الاستسلام. "قد لا يكون فهد قد أظهر مهارات تذكر، لكننا زوجان في النهاية. دعوه يأخذ هذا المال كتعويض له فحسب."
خلفت هذه الكلمات في نفس فهد شعوراً بالأسى والعجز.
بدا وكأنه لم يكن سوى مجرد بديل في حياة أمل.
كيف لها أن تفهم أن اختياره لعدم البروز كان أمراً مقصوداً؟
فلقد كان فهد قادراً تماماً على سحق الآخرين بذكائه إن أراد.
لكنه خشي أن يحيي نجاحه مخاوف أمل، ويذكرها بحبيبها الأول الموهوب الذي هجرها يوماً.
واختار كبح قدراته ليدعم أمل، مانحاً إياها الفرصة لتكون هي من يسطع نجمه.
ورغم جهوده في رعاية حبهما لعامين، لم يكن ذلك كافياً ليلمس قلب أمل.
والآن، مع عودة حبها الأول، أصبحت مستعدة لإنهاء زواجهما؟
إن عبثية هذا الموقف جعلت قلبه يغوص في أعماقه.
أدرك حينها أن عواطف البشر قد تكون زائلة حقاً.
"أمل، يجب أن أسألك للمرة الأخيرة. هل أنت واثقة من رغبتك في إنهاء زواجنا؟" تساءل، وصوته مشوب ببرود جاف.
أومأت أمل برأسها بحسم.
وبتنهيدة هادئة، قال فهد بلهجة مستسلمة: "حسناً، شكراً لكِ لأنك أنقذتني ذات مرة. نحن متعادلان الآن."
حينما استحضر ماضيهما، تشنج وجه أمل من عدم الارتياح.
قاطعته بسرعة وهي تدفع البطاقة المصرفية نحوه.
"لماذا تذكر الماضي الآن؟ فقط خذ البطاقة وارحل."
أما تركي، وهو يراقب هذا الحوار، فبالكاد استطاع كتمان ضيقه.
"أحقاً يا فهد؟ أتظن أنك تستحق هذا المال؟" سخر وهو يتحرك بعنف ليعترض يد فهد، محاولاً انتزاع البطاقة.
لقد استخف تركي بفهد، الذي امتلك قوة غير متوقعة رغم مظهره الهزيل. تمسك بالبطاقة بحزم، مقاوماً محاولات تركي لسلبها منه.
وفي لحظة إحباط، دفع تركي فهد بكل قوته.
وبسبب المباغتة، كاد فهد أن يفقد توازنه. ظل واقفاً، لكن ساعة الجيب الثمينة التي أهدتها إياه أمه سقطت على الأرض وتحطمت؛ آخر تذكار منها.
تجمد فهد، وقد غلبه شعور الفقد، وباتت أفكاره خاوية.
منتهزاً اللحظة، انتزع تركي البطاقة المصرفية منه.
"بحملك لمثل هذه الخردوات، لا عجب أن قدرك هو الخسارة،" سخر تركي. ألقى نظرة على الساعة المحطمة وتفاخر قائلًا: "فيصل ليس مجرد محامٍ ذائع الصيت في الخارج، بل هو ملتزم برعاية أختي. ومن المرجح أن يساعدنا في إتمام الصفقة مع مجموعة الأفق، وهو ما تتوق إليه عائلتنا منذ أمد. انسَ أمر أختي يا فهد. سمعت أنكما لم تكملا زواجكما طوال هذين العامين."
استحالت نظرة فهد إلى صقيع، وسرعان ما أسقط تركي أرضاً بركلة واحدة.
عوى تركي من شدة الألم، متكوراً على نفسه فوق الأرض.
صرخت أمل بغضب وهي تشهد هذا المشهد: "فهد! تذكر أن تركي هو أخي، وأننا لا نزال متزوجين. لا تتجاوز حدودك!"
رد فهد بتهكم وقد انقشعت الغشاوة عن عينيه: "لقد حطم للتو آخر ما تبقى لي من أمي. أليس هو من تجاوز الحدود؟"
وقفت أمل مذهولة صامتة، وهي تشاهد فهد يأخذ نفساً عميقاً، وينتزع منها أوراق الطلاق ويوقع اسمه دون تردد.
وبينما كان فهد يوقع الأوراق برزانة، استعاد تركي توازنه وسخر منه.
قال والشرر يتطاير من بين أسنانه: "لقد كنت حكيماً بعدم تحدينا. فمن دون دعم عائلتنا، أنت لا شيء!"
وما كاد تركي ينهي سخريته حتى تحرك فهد بسرعة وأسكته بصفعة قوية على وجهه.
"الزم حدودك واصمت. لقد انتهيت من عائلة الجاسم. لا تستفزني،" رد فهد بحدة.
صرخ تركي مذهولاً من رد الفعل: "أنت فاشل لا قيمة لك يا فهد! أنت أجبن من أن تواجه أختي، لذا تفرغ غضبك فيّ؟ لقد أحسنتِ صنعاً بالتخلص منك. لم تكن جديراً بها يوماً!"
وبرغم كلمات تركي القاسية، اكتفى فهد بضحكة خافتة والتفت نحو أمل التي كانت في حالة ذهول.
"تذكري هذا القرار جيداً يا أمل. آمل ألا يأتي يوم تندمين فيه عليه،" علق ببرود.
وبشكل مفاجئ، اجتاحت أمل موجة من الشك، هي التي كان يفترض أن تشعر بالراحة لهذا الانفصال.
كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها تلك النظرة الجليدية في عيني فهد.
عضت على شفتها بصمت، وهي تقر بالحقيقة المؤلمة.
فنجاحها في بلوغ منصب المدير التنفيذي كان بفضل تركيزها المطلق على مسيرتها العملية. وفي المنزل، كان فهد يتولى تدبير تفاصيل حياتهما بدقة، ويحيطها بكل عناية واهتمام.
وحين بدأ الندم يلوح في الأفق، قطع حبل أفكارها صوت سيارة تقترب.
أيقظها صوت البوق الحاد، فبدد لحظة ترددها تلك.