شعرت جواهر بوخزة حادة في معدتها، كأن يدًا جليدية قد قبضت على أحشائها.
ضحكت دلال مرة أخرى، ضحكة رنانة كأجراس صغيرة. "أنت تدللني كثيرًا يا بندر. لكن... هل أنت متأكد أن صحتك تسمح؟ أقصد... تلك المشكلة..."
ساد صمت قصير، ثم سمعت جواهر بندر يضحك ببرود، ضحكة قاسية جعلت الدم يتجمد في عروقها.
"تلك المشكلة؟" قال بسخرية. "تلك كانت مجرد حجة، يا عزيزتي. طريقة لأجعلها تطلب الطلاق بنفسها. هل تعتقدين حقًا أنني سأقبل بربط اسم الشهاب بامرأة عاقر؟ كان لا بد من إيجاد سبب يجعلها ترحل دون أن أبدو أنا الرجل السيء."
اتسعت حدقتا جواهر. الهواء في رئتيها تحول إلى جليد. إذًا، كل شيء كان كذبة. شهور من زيارات الأطباء، ونظرات الشفقة، وإحساسها بالذنب... كله كان مسرحية متقنة.
"إنها مجرد دمية خشبية،" تابع بندر، وصوته يقطر ازدراءً. "كل ما تجيده هو إدارة المنزل وتحضير القهوة. لم تكن يومًا مناسبة لعائلة الشهاب."
شعرت جواهر بعظام أصابعها التي تمسك بالصينية تبيض من شدة الضغط. الفناجين الرقيقة بدأت ترتجف.
"إذًا متى سأصبح أنا سيدة هذا القصر؟" سألت دلال بدلال، وكان صوتها الآن قريبًا جدًا، كأنها في حضنه.
"قريبًا جدًا،" وعدها بندر. "بمجرد أن توقع على أوراق الطلاق، سيكون كل شيء لكِ."
في تلك اللحظة، انطفأ شيء ما في عيني جواهر. تحولت الصدمة والألم إلى برود جليدي حاد. لم تعد هناك دموع، لم يعد هناك ألم. فقط غضب هادئ ومدمر.
لم تتردد. رفعت قدمها وبكل قوتها، ركلت الباب الخشبي الثقيل.
"بوووم!"
انفتح الباب على مصراعيه، وارتطم بالجدار محدثًا دويًا هائلاً قطع تلك اللحظة الحميمية في المكتب.
انتفض بندر، ودفع دلال بعيدًا عنه بارتباك. كان ثوبه التقليدي مجعدًا قليلاً، ونظراته مليئة بالصدمة والغضب وهو يحدق في جواهر الواقفة عند المدخل، وجهها خالٍ من أي تعابير.
أطلقت دلال صرخة خافتة، وتظاهرت بالخوف وهي تختبئ خلف بندر، لكن عينيها كانتا تلمعان بنظرة تحدٍ وانتصار.
تقدمت جواهر إلى داخل المكتب بخطوات ثابتة وهادئة. لم تنظر إليهما حتى. سارت مباشرة إلى مكتب خشب الورد الفاخر وألقت بالصينية عليه بقوة.
"تششش!"
تناثرت القهوة الساخنة على السطح المصقول، وتصاعد منها بخار كثيف برائحة الهيل.
"ما هذا الجنون!" صرخ بندر، وقد استعاد بعضًا من رباطة جأشه، محاولًا إخفاء ارتباكه خلف قناع من الغضب. "كيف تجرؤين على اقتحام مكتبي هكذا؟ ألا تعرفين الأصول؟"
لم تجبه جواهر. بدلاً من ذلك، أخرجت هاتفها من جيب ثوبها ببطء، وضغطت على زر التشغيل.
تردد صوت بندر الساخر في أرجاء المكتب الهادئ: "...تلك كانت مجرد حجة، يا عزيزتي. طريقة لأجعلها تطلب الطلاق بنفسها..."
تحول وجه بندر إلى اللون الأبيض الشاحب في لحظة. نظر إلى الهاتف في يدها، ثم إليها، وعيناه متسعتان من الرعب وعدم التصديق.
"هذا... هذا سوء فهم،" تمتمت دلال، محاولة إنقاذ الموقف.
رمقتها جواهر بنظرة حادة وباردة كشفرة الجليد، نظرة جعلت الكلمات تموت في حلق دلال.
ببرود تام، وضعت جواهر هاتفها جانبًا، وأخرجت جهازًا لوحيًا من حقيبة يدها الجلدية. بلمسات سريعة وواثقة، فتحت ملفًا وعرضته على الشاشة. كان عقد زواجهما.
"البند الثالث، الفقرة الثانية،" قالت جواهر بصوت واضح وثابت، يقطع الصمت المتوتر. "في حال ثبوت وجود خداع أو تضليل من قبل الطرف الأول فيما يتعلق بأي شرط جوهري في العقد، يحق للطرف الثاني إنهاء الزواج فورًا مع الحصول على كامل التسوية المالية المنصوص عليها."
بدأت حبات العرق تتشكل على جبين بندر.
"جواهر، لا تفعلي شيئًا غبيًا،" قال بصوت أجش، محاولًا استعادة السيطرة. "لا تجعلي عائلة الشهاب بأكملها ضدك. لن يعجبك ذلك."
ضحكت جواهر، ضحكة قصيرة وباردة. "عائلتك؟ لم أعد أهتم بها. كل ما أريده هو ما ينص عليه العقد."
"أنتِ تفعلين كل هذا من أجل المال!" صرخت دلال من خلف بندر، محاولة تشويه سمعتها.
ردت جواهر بسخرية لاذعة دون أن تنظر إليها حتى: "على الأقل أنا أطالب بحقي الشرعي، وليس بفتات يُلقى إليّ في الخفاء."
"اخرسي!" صرخ بندر، غاضبًا لحماية دلال. "تريدين الطلاق؟ حسنًا! سأمنحك الطلاق! لنرى كيف ستعيشين بدون اسم الشهاب ليحميكِ!"
لم تهتز جواهر. بحركة سريعة، أرسلت نسخة إلكترونية من اتفاقية الطلاق إلى بريد بندر الإلكتروني. "وقع عليها الآن."
كانت كفاءتها وسرعتها غير متوقعة، ومستفزة. شعر بندر بالإهانة والغضب الشديد. أراد أن يراها تنهار، تتوسل، تندم. لكنها كانت تقف أمامه كالصخرة.
กัด على أسنانه، فتح بريده الإلكتروني ووقع على الوثيقة رقميًا. "أتمنى ألا تندمي على هذا."
تلقّت جواهر إشعارًا فوريًا بتوثيق التوقيع. ظهرت ابتسامة باردة ومرتاحة على شفتيها لأول مرة. استدارت واتجهت نحو الباب دون أي تردد أو نظرة إلى الوراء.
"انتظري!" نادى بندر بشكل لا إرادي. لسبب ما، شعر بوخزة من الذعر وهو يرى ظهرها المستقيم يبتعد.
توقفت جواهر عند الباب، لكنها لم تستدر. بصوت هادئ وصله بوضوح، قالت: "أتمنى لكما حياة سعيدة معًا في المستنقع الذي صنعتماه."
ثم خرجت، تاركة وراءها صمتًا مدويًا وكرامة رجل محطمة.
بمجرد أن أغلقت الباب خلفها، أخرجت هاتفًا آخر، هاتفًا مشفرًا، واتصلت برقم واحد.
"نورة؟"
جاء صوت صديقتها المقربة نورة متحمسًا من الطرف الآخر. "جواهر! هل فعلتها؟ هل انتهى الأمر؟"
"نعم،" قالت جواهر، وشعرت بالتوتر يتلاشى من كتفيها لأول مرة منذ ثلاث سنوات. "أرسلي سيارة. أنا في الخارج."
صرخت نورة بسعادة. "أنا قادمة لأحتفل بتحريرك يا حبيبتي!"
أنهت جواهر المكالمة ونزلت الدرج الرخامي الواسع. وهي تمر بالبهو الرئيسي، خلعت دبوسًا ذهبيًا مرصعًا بالماس من حجابها، كان رمزًا لكونها زوجة في عائلة الشهاب، وألقته بلا مبالاة في سلة مهملات فضية.
تقدم كبير الخدم نحوها. "سيدتي، هل أطلب من السائق تجهيز السيارة؟"
نظرت إليه جواهر ببرود. "لم أعد سيدتك. ولست بحاجة لسياراتكم."
في تلك اللحظة، سُمع هدير محرك سيارة رياضية قوية من الخارج. توقفت قافلة صغيرة من السيارات الفاخرة ذات الألوان الزاهية أمام المدخل الرئيسي، مما أثار فضول الخدم الذين أطلوا من النوافذ.
خرج بندر إلى شرفة الطابق الثاني، وشاهد جواهر تخرج من الفيلا بخطوات واثقة. فتحت نورة باب سيارة لامبورغيني أوروس أرجوانية لها.
جلست جواهر في السيارة، وأغلقت الباب بهدوء. تحت نظرات بندر المذهولة والمصدومة، انطلقت السيارة بعيدًا، تاركة خلفها غبارًا و ثلاث سنوات من حياة زائفة.