كان الهواء مشبعاً برائحة الدخان اللاذعة، وبينما حاولت جنى التقاط أنفاسها، بدأت ظلال فقدان الوعي تزحف إلى أطراف رؤيتها، وفكرة الموت وسط النيران تنهش عقلها بوحشية.
لكن، في اللحظة التي بدا فيها الأمل وكأنه يتلاشى، ظهر خيال شخص من خلال الدخان.
رفعها بذراعين قويتين بسهولة، وكان خفقان قلبه المنتظم قرب أذنها يجلب لها طمأنينة غريبة وسط هذا الخراب.
وفجأة شقّ صوت صفير حاد ضوضاء الدمار.
واقتحمت حواسها رائحة اللحم المحترق المروعة التي لا تخطئها الأنف.
بنبض قلبها الممزوج بالخوف والارتباك، استجمعت جنى القوة لتفتح عينيها، لتواجهها ستارة خانقة من الدخان تحجب رؤيتها وتعمق رعبها.
بينما كانت تتخبط في الظلام، لامست أصابعها شيئًا لزجًا ومقلقاً. ارتدّ الرجل الذي يحملها بشكل غريزي، لكنه سرعان ما هدأ، تاركاً يديها تستكشف دون اعتراض.
كانت الرياح تعصف في أذنيها بلا هوادة وبرودة.
وتدريجياً، بدأت الحرارة الشرسة التي أحرقت وجهها تتلاشى.
وفي صراعها ضد ثقل جفنيها، جاهدت للتعرف على منقذها.
من خلال الدخان المتصاعد الذي حجب رؤيتها، لمحت شامة مميزة قرب عين الرجل، شامة أثارت في داخلها شعوراً غامضاً بالألفة.
وحين بدأ وعيها ينساب مبتعداً مجدداً، سمعت جنى صوتًا لطيفًا يشق عويل الرياح: "سيدي، لقد وصلت سيارة الإسعاف. عائلة الطائي في الداخل بالفعل. يجب أن نتحرك فوراً. تحتاج ذراعك إلى رعاية عاجلة، وفوق ذلك، اليوم هو يوم زفاف الآنسة الطائي. إذا رآها الناس مع رجل آخر، ستصبح حديث المدينة."
......
أفاقت جنى من غفوتها المضطربة داخل جدران جناح مستشفى بسيط يتسم بالبرودة والقسوة.
كان القمر المكتمل يتدلّى في الخارج، يغمر كل شيء بضوء شاحب حزين. كانت الغرفة مغطاة بالصمت، خالية من وجود زوجها الجديد.
كانت إصاباتها خطيرة: ضلع مكسور وجرح غائر يشق خدّها الأيسر بوحشية. وقد حذّرها الطبيب أنّ عدم الاعتناء به جيداً قد يترك ندبة لا تمحى.
عندما بزغ الفجر، عاد الطبيب لتقييم حالتها.
جال بنظره في الغرفة الفارغة متسائلاً: "أين عائلتك؟"
هزت جنى رأسها بابتسامة مريرة. حاولت الوصول إلى ناف عدة مرات، لكنه لم يرد.
تنهد الطبيب وقال: "حاولي البقاء ثابتة؛ الحركة الزائدة قد تزيد من سوء إصاباتك. إذا لم يكن هناك أحد ليساعدك، سأرتب لك من يعتني بك."
في تلك اللحظة، تدخلت ممرضة شابة قائلة: "ألستِ العروس من حادثة الحريق التي تصدرت العناوين؟ أليس زوجك هنا معك؟"
لفت الحديث انتباه رئيسة الممرضات، التي سعلت بخفة مشيرة لزميلتها بالصمت. ومالت مقتربة وهمست: "إنه في الواقع في الطابق العلوي، يعتني بشخص آخر."
اتسعت عينا الممرضة الشابة بدهشة. "ماذا؟ لكن الفتاة لم تُصب إلا بخدش بسيط في يدها!"
كانت جنى هي التي تحتاج بشدة إلى الرعاية.
هزت رئيسة الممرضات رأسها. "هناك فريق كامل بالأعلى يهتم بها. إنه أمر غير عادل، أليس كذلك؟"
في تلك اللحظة، اجتاحت جنى موجة من الإذلال واليأس. وبينما كانت تجلس على حافة سرير المستشفى، شعرت بدمائها تتجمد، وارتجف جسدها بشكل خفيف.
مستندة على الجدار لدعم نفسها، شقت طريقها إلى الطابق العلوي حيث الجناح الخاص الفاخر.
توقفت عند المدخل، فرأت الرجل الذي عشقته لعقد من الزمان يطعم أختها غير الشقيقة، ريم. تلاقت نظراتهما، وكان الترابط بينهما واضحًا ومحسوسًا.
كانت زوجة أبيها، سحاب الطائي، تضع يدها على فمها، والدموع تلمع في عينيها. "ملك، هل يمكن أن يكون هذا عقاباً؟ هل تطارد أخطائي السابقة ابنتنا الآن؟"
ربت ملك الطائي، والد جنى الفعلي وزوج سحاب، على كتف زوجته ليطمئنها. "لا، كان هذا مجرد حادث مؤسف. لا شيء من هذا خطؤك."
"أبي! لم يكن هذا حادثاً؛ كانت محاولة قتل! جنى تحقد لأنك أنت وناف تحبانني أكثر منها. إنها شريرة. لم نكن سوى نحن اثنتين وقت الحريق، وقد دفعتني. كانت تريد التخلص مني."
بعد قول هذا، انهارت ريم في أحضان ناف، والدموع تغمر وجهها وهي تنتحب بحرقة.
حدقت سحاب في يد ابنتها المخدوشة قبل أن تقترب من ملك، باحثة عن الراحة بين ذراعيه.
"ملك، قد لا تكون ريم من صُلبك، لكنها اعتبرتك والدها الحقيقي. من كان يظن أن هذا الحب سيجلب لها المصيبة؟ لقد تخليت عن الكثير لإبقاء جنى راضية، أقسمت ألا أنجب المزيد من الأطفال بعد زواجي بك. لكن يبدو أن لا شيء سيرضيها. ماذا تريد مني بعد؟ يمكنها أن تأخذ كل شيء مني، حتى حياتي، إذا كان هذا ما تريده! لكن لماذا يجب أن تعاني ريم؟ لم تفعل شيئًا لتستحق هذا."
كان بكاء سحاب شديداً، ومليئًا بالألم، حتى ليظن المرء أنها هي التي تعاني كسراً في ضلعها وجرحاً يشوّه وجهها.
في الخارج، مختبئة عن الأنظار، استمعت جنى إلى كل كلمة سامة وُجهت إليها.
راقبت بقلب مفطور الرجلين اللذين اعتزت بهما أكثر من أي شيء، والدها وزوجها، وهما يمنحان كل اهتمامهما لريم، دون أن ينطق أحدهما بكلمة دفاع عنها.
تحطم قلبها، الهش بالفعل، إلى شظايا.
على الرغم من أن جسدها صرخ بالاحتجاج، إلا أن جنى كانت قد قاتلت للوصول إلى هذا الحد. والآن، مثقلة بجراحها، عادت أدراجها بخطوات بطيئة موجعة إلى غرفتها.
بعد وفاة والدتها، بدا أنها فقدت والدها أيضًا.
وزوجها، الذي نشأت معه، وهب قلبه لأخرى، تاركًا قلبها ممزقًا.
يا لقسوة الأقدار.
مع حلول الظلام، وصل ناف إلى غرفتها في المستشفى، حاملاً وعاء طعام.
وقد ارتسمت على وجهه علامات ازدراء لاذع، كأن الهواء نفسه داخل الغرفة يثير اشمئزازه.
اخترقتها عيناه الباردتان والبعيدتان.
مستجمعة كل ما لديها من قوة، دفعت جنى نفسها لتجلس، وصوتها يتهدج بيأس يقطع القلب. "أقسم أنني لم أدفع ريم. لقد أخبرتني أن هديتها لي كانت في المخزن. ولكن بمجرد دخولنا، أحاطت بنا النيران، وأُقفل الباب من الخارج."
وبنظرة قاسية ونفاد صبر واضح، تمتم ناف: "جنى، توقفي عن خداع نفسك. لا جدوى من التظاهر. لطالما حقدتِ على ريم لأنها المفضلة لدى الجميع، لكن أن تتسببي في تخريب يوم زفافنا بهذا الخبث؟ لم أظن أبدًا أنكِ قادرة على أن تكوني بهذا التوحش!"